فلك علينا في كل يومٍ دابةٌ نرسل بها إليك في وقت غدائك: فرضي الأسد بذلك،
وصالح الوحوش عليه،
ووفين له به.
ثم إن أرنباً أصابتها القرعة،
وصارت غداء الأسد؛
فقالت للوحوش: إن أنتن رفقتن بي فيما لا يضركن؛
رجوت أن أريحكن من الأسد.
فقالت الوحوش: وما الذي تكلفيننا من الأمور؟
قالت: تأمرن الذي ينطلق بي إلى الأسد أن يمهلني ريثما أبطئ عليه بعض الإبطاء.
فقلن لها ذلك لك.
فانطلقت الأرنب متباطئةً؛
حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدى فيه الأسد.
ثم تقدمت إليه وحدها رويداً،
وقد جاع؛
فغضب وقام من مكانه نحوها؛
فقال لها: من أين أقبلت؟
قالت: أنا رسول الوحوش إليك: بعثني ومعي أرنبٌ لك،
فتبعني أسدٌ في بعض تلك الطريق،
فأخذها مني،
وقال: أنا أولى بهذه الأرض وما فيها من الوحش.
فقلت: إن هذا غداء الملك أرسلني به الوحوش إليه.
فلا تغصبنه،
فسبك وشتمك.
فأقبلت مسرعةً لأخبرك.
فقال الأسد: انطلقي معي فأريني موضع هذا الأسد.
فانطلقت الأرنب إلى جب فيه ماءٌ غامرٌ صافٍ؛
فاطلعت فيه،
وقالت: هذا المكان.
فاطلع الأسد،
فرأى ظله وظل الأرنب في الماء؛
فلم يشك في قولها؛
ووثب إليه ليقاتله،
فغرق في الجب.
فانقلبت الأرنب إلى الوحوش فأعلمتهن صنيعها بالأسد.
قال كليلة: إن قدرت على هلاك الثور بشيءٍ ليس فيه مضرةٌ للأسد فشأنك: فإن الثور قد أضر بي وبك وبغيرنا من الجند؛
وإن أنت لم تقدر على ذلك إلا بهلاك الأسد،
فلا تقدم عليه؛
فإنه غدرٌ مني ومنك.
ثم إن دمنة ترك الدخول على الأسد أياماً كثيرةً؛
ثم أتاه على خلوةٍ منه؛
فقال له الأسد: ما حبسك عني؟
منذ زمان لم أرك.
ألا لخيرٍ كان انقطاعك؟
قال دمنة: فليكن خيراً أيها الملك.
قال الأسد: وهل حدث أمرٌ؟
قال دمنة: حدث ما لم يكن الملك يريده ولا أحد من جنده.
قال: وما ذاك؟
قال: كلامٌ فظيعٌ.
قال: أخبرني به.
قال دمنة إنه كلامٌ يكرهه سامعه،
ولا يشجع عليه قائله.
وإنك أيها الملك لذو فضيلةٍ،
ورأيك يدلك على أن يوجعني أن أقول ما تكره؛
وأثق بك أن تعرف نصحي وإيثاري إياك على نفسي.
وإنه ليعرض لي أنك غير مصدقي فيما أخبرك به؛
ولكني إذا تذكرت وتفكرت أن نفوسنا،
معاشر الوحوش،