متعلقةٌ بك لم أجد بداً من أداء الحق الذي يلزمني وإن أنت لم تسألني وخفت ألا تقبل مني فإنه يقال: من كتم السلطان نصيحته والإخوان رأيه فقد خان نفسه.
قال الأسد: فما ذاك؟
قال دمنة: حدثني الأمين الصدوق عندي أن شتربة خلا برءوس جندك،
وقال: قد خبرت الأسد وبلوت رأيه ومكيدته وقوته: فاستبان لي أن ذلك يئول منه إلى ضعفٍ وعجزٍ،
وسيكون لي وله شأنٌ من الشئون.
فلما بلغني ذلك علمت أن شتربة خوانٌ غدارٌ؛
وأنك أكرمته الكرامة كلها،
وجعلته نظير نفسك،
وهو يظن أنه مثلك.
وأنك متى زلت عن مكانك صار له ملكك؛
ولا يدع جهداً إلا بلغه فيك.
وقد كان يقال: إذا عرف الملك من الرجل أنه قد ساواه في المنزلة والحال،
فليصرعه؛
فإن لم يفعل به ذلك،
كان هو المصروع.
وشتربة أعلم بالأمور وأبلغ فيها؛
والعاقل هو الذي يحتال للأمر قبل تمامه ووقوعه: فإنك لا تأمن أن يكون ولا تستدركه.
فإنه يقال: الرجال ثلاثةٌ: حازمٌ وأحزم منه وعاجزٌ؛
فأحد الحازمين من إذا نزل به الأمر لم يدهش له،
ولم يذهب قلبه شعاعاً ،
ولم تعي به حيلته ومكيدته التي يرجو بها المخرج منه؛
وأحزم من هذا المتقدم ذو العدة الذي يعرف الابتلاء قبل وقوعه،
فيعظمه إعظاماً،
ويحتال له حتى كأنه قد لزمه: فيحسم الداء قبل أن يبتلي به،
ويدفع الأمر قبل وقوعه.
وأما العاجز فهو في ترددٍ وتمنٍ وتوانٍ حتى يهلك.
ومن أمثال ذلك مثل السمكات الثلاث.
قال الأسد: وكيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أن غديراً كان فيه ثلاث سمكاتٍ: كيسةٌ وأكيس منها وعاجزةٌ؛
وكان ذلك الغدير بنجوةً من الأرض لا يكاد يقربه أحدٌ وبقربه نهر جارٍ.
فاتفق أنه اجتاز بذلك النهر صيادان؛
فأبصرا الغدير،
فتواعدا أن يرجعا إليه بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك.
فسمع السمكات قولهما: فأما أكيسهن لما سمعت قولهما،
وارتابت بهما،
وتخوفت منهما؛
فلم تعرج على شيءٍ حتى خرجت من المكان الذي يدخل فيه الماء من النهر إلى الغدير.
وأما الكيسة فإنها مكثت مكانها حتى جاء الصيادان؛
فلما رأتهما،
وعرفت ما يريدان،
ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء؛
فإذا بهما قد سدا ذلك المكان فحينئذٍ قالت: فرطت،
وهذه عاقبة التفريط؛
فكيف الحيلة على هذه الحال.