فلا يدخلن عليك شتربة إلا وأنت مستعدٌ له؛
وإياك أن تصيبك منه غرةٌ أو غفلةٌ: فإني لا أحسب الملك حين يدخل عليه إلا سيعرف أنه قد هم بعظيمةٍ.
ومن علامات ذلك أنك ترى لونه متغيراً؛
وترى أوصاله ترعد؛
وتراه ملتفتاً يميناً وشمالاً؛
وتراه يهز قرنيه فعل الذي هم بالنطاح والقتال.
قال الأسد: سأكون منه على حذرٍ؛
وإن رأيت منه ما يدل على ما ذكرت علمت أن ما في أمره شكٌ.
فلما فرغ دمنة من حمل الأسد على الثور،
وعرف أنه قد وقع في نفسه ما كان يلتمس،
وأن الأسد سيتحذر الثور،
ويتهيأ له،
أراد أن يأتي الثور ليغريه بالأسد؛
وأحب أن يكون إتيانه من قبل الأسد مخافة أن يبلغه ذلك فيتأذى به.
فقال: أيها الملك ألا آتي بشتربة فانظر إلى حاله وأمره؛
وأسمع كلامه: لعلي اطلع على سره،
فأطلع الملك على ذلك،
وعلى ما يظهر لي منه؟
فأذن له الأسد في ذلك.
فانطلق فدخل على شتربة كالكئيب الحزين.
فلما رآه الثور رحب به،
وقال: كان سبب انقطاعك عني؟
فإني لم أرك منذ أيامٍ؛
ولعلك في سلامةٍ!
قال دمنة: ومتى كان أهل السلامة من لا يملك نفسه،
وأمره بيد غيره ممن لا يوثق به،
ولا ينفك على خطرٍ وخوفٍ.
حتى ما من ساعة تمر ويأمن فيها على نفسه.
قال شتربة: وما الذي حدث؟
قال دمنة: حدث ما قدر وهو كائنٌ.
ومن ذا الذي غالب القدر؟
ومن ذا الذي بلغ من الدنيا جسيماً من الأمور فلم يبطر؟
ومن ذا الذي بلغ منياه فلم يغتر؟
ومن ذا الذي تبع هواه فلم يخسر؟
ومن ذا الذي طلب من اللئام فلم يحرم؟
ومن ذا الذي خالط الأشرار فسلم؟
ومن ذا الذي صحب السلطان فذام له منه الأمن والإحسان؟
قال شتربة: إني أسمع منك كلاماً يدل على أنه قد رابك من الأسد ريبٌ،
وهالك منه أمرٌ.
قال دمنة: أجل،
لقد رابني منه ذلك،
وليس هو في أمر نفسي،
قال شتربة: ففي نفس من رابك؟
قال دمنة: قد تعلم ما بيني وبينك،
وتعلم حقك علي،
وما كنت جعلت لك من العهد والميثاق أيام أرسلني الأسد إليك،
فلم أجد لك بداً من حفظك وإطلاعك على ما أطلعت عليه مما أخاف عليك منه.
قال شتربة: وما الذي بلغك؟
قال دمنة: حدثني الخبير الصدوق الذي لا مرية في قوله أن الأسد قال لبعض أصحابه وجلسائه: قد أعجبني سمن الثور؛
وليس لي إلى حياته حاجةٌ،