فأنا آكله ومطعم أصحابي من لحمه.
فلما بلغني هذا القول،
وعرفت غدره ونقض عهده؛
أقبلت إليك لأقضي حقك؛
وتحتال أنت لأمرك.
فلما سمع شتربة كلام دمنة،
وتذكر ما كان من دمنة جعل له من العهد والميثاق،
وفكر في أمر الأسد،
ظن أن دمنة قد صَدَقَهُ ونصح له؛
ورأى أن الأمر شبيهٌ بما قال دمنة.
فأهمه ذلك؛
وقال: ما كان للأسد أن يغدر بي ولم آت إليه ذنباً،
ولا إلى أحد من جنده،
منذ صحبته؛
ولا أظن الأسد إلا قد حمل علي بالكذب وشبه عليه أمري: فإن الأسد قد صحبه قوم سوءٍ؛
وجرَّب منهم الكذب وأموراً هي تصدق عنده ما بلغه من غيرهم: فإن صحبة الأشرار ربما أورثت صاحبها سوء الظن بالأخيار؛
وحملته تجربته على الخطأ كخطأ البطة التي زعموا أنها رأت في الماء ضوء كوكبٍ،
فظنته سمكةً،
فحاولت أن تصيدها،
فلما جربت ذلك مراراً،
علمت أنه ليس بشيءٍ يصاد فتركته.
ثم رأت من غد ذلك اليوم سمكةً،
فظنت أنها مثل الذي رأته بالأمس،
فتركتها ولم تطلب صيدها.
فإن كان الأسد بلغه عني كذبٌ فصدقه علي وسمعه في،
فما جرى على غيري يجري علي.
وإن كان لم يبلغه شيءٌ،
وأراد السوء بي من غير علةٍ،
فإن ذلك لمن أعجب الأمور.
وقد كان يقال: إن من العجب أن يطلب الرجل رضا صاحبه ولا يرضى.
وأعجب من ذلك أن يلتمس رضاه فيسخط.
فإذا كانت الموجدة عن علةٍ،
كان الرضا موجوداً والعفو مأمولاً.
وإذا كانت عن غير علةٍ،
انقطع الرجاء: لأن العلة إذا كانت المودة في ورودها،
كان الرضا مأمولاً في صدورها.
قد نظرت: فلا أعلم بيني وبين الأسد جرماً،
ولا صغير ذنب،
ولا كبيره.
ولعمري ما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كل شيءٍ من أمره،
ولا أن يتحفظ من أن يكون منه صغيرةٌ أو كبيرةٌ يكرهها صاحبه؛
ولكن الرجل ذا العقل وذا الوفاء إذا سقط عنده صاحبه سقطةً نظر فيها،
وعرف قدر مبلغ خطئه عمداً كان أو خطأً.
ثم ينظر هل في الصفح عنه أمرٌ يخاف ضره وشينه؟
فلا يؤاخذ صاحبه بشيءٍ يد فيه إلى الصفح عنه سبيلاً.
فإن كان الأسد قد اعتقد على ذنباً؛
فلست أعلمه؛
إلا أني خالفته في بعض رأيه نصيحةً له؛
فعساه أن يكون قد أنزل أمري على الجراءة عليه والمخالفة له؛