قال دمنة: إن إرادة الأسد بك ليست من تحميل الأشرار ولا سكرة السلطان ولا غير ذلك، ولكنها الغدر والفجور منه: فإن فاجرٌ خوانٌ غدارٌ: لطعامه حلاوةٌ وآخره سمٌ مميتٌ. قال شتربة: فأراني قد استلذذت الحلاوة إذ ذقتها: وقد انتهيت إلى آخرها الذي هو الموت؛ ولولا الحين ما كان مقامي عند الأسد، وهو آكل لحمٍ وأنا آكل عشبٍ فأنا في هذه الورطة كالنحلة التي تجلس على نور النيلوفر إذ تستلذ ريحه وطعمه، فتحبسها تلك اللذة؛ فإذا جاء الليل ينضم عليها، فترتبك فيه وتموت. ومن لم يرض من الدنيا بالكفاف الذي يغنيه وطمحت عينه إلى ما سوى ذلك، ولم يتخوف من عاقبتها، كان كالذباب الذي لا يرضى بالشجرة والرياحين، ولا يقنعه ذلك، حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل، فيضربه الفيل بآذانه فيهلكه. ومن يبذل وده ونصيحته لمن لا يشكره، فهو كمن يبذر في السباخ. ومن يشر على المعجب، فهو كمن يشاور الميت أو يسار الأصم. قال دمنة: دع عنك هذا الكلام واحتل لنفسك. قال شتربة: بأي شيءٍ أحتال لنفسي، إذا أراد الأسد أكلي، مع ما عرفتني به من رأي الأسد وسوء أخلاقه؟ وأعلم أنه لم يرد بي إلا خيراً، ثم أراد أصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي لقدروا على ذلك فإنه إذا اجتمع المكرة الظلمة على البريء الصحيح، كانوا خلقاء أن يهلكوه، وإن كانوا ضعفاء وهو قوي؛ كما أهلك الذئب والغراب وابن آوى الجمل، حين اجتمعوا عليه بالمكر والخديعة والخيانة. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال شتربة: زعموا أن أسداً كان في أجمةٍ مجاورةٍ لطريقٍ من طرق الناس؛
وكان له أصحابٌ ثلاثةٌ: ذئبٌ وغرابٌ وابن آوى؛
وأن رعاةً مروا بذلك الطريق،
ومعهم جمالٌ،
فتخلف منها جملٌ،
فدخل تلك الأجمة حتى انتهى إلى الأسد؛
فقال له الأسد: من أين أقبلت؟
قال: من موضع كذا.
قال: فما حاجتك؟
قال: ما يأمرني به الملك.
قال: تقيم عندنا في السعة والأمن والخصب.
فأقام الأسد والجمل معه زمناً طويلاً.
ثم إن الأسد مضى في بعض الأيام لطلب الصيد،
فلقي فيلاً عظيماً،
فقاتله قتالاً شديداً؛
وأفلت منه مثقلاً مثخناً بالجراح،
يسيل منه الدم،
وقد خدشه الفيل بأنيابه.
فلما وصل إلى مكانه،
وقع لا يستطيع حراكاً،
ولا يقدر على طلب الصيد؛