فلبث الذئب والغراب وابن آوى أياماً لا يجدون طعاماً: لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد وطعامه؛
فأصابهم جوعٌ شديدٌ وهزالٌ،
وعرف الأسد ذلك منهم؛
فقال: لقد جهدتم واحتجتم إلى ما تأكلون.
فقالوا لا تهمنا أنفسنا: لكنا نرى الملك على ما نراه.
فليتنا نجد ما يأكله ويصلحه.
قال الأسد: ما أشك في نصيحتكم،
ولكن انتشروا لعلكم تصيبون صيداً تأتونني به؛
فيصيبني ويصيبكم منه رزقٌ.
فخرج الذئب والغراب وابن آوى من عند الأسد؛
فتنحوا ناحيةً،
وتشاوروا فيما بينهم،
وقالوا: مالنا ولهذا الأكل العشب الذي ليس شأنه من شأننا،
ولا رأيه من رأينا؟
ألا نزين للأسد فيأكله ويطعمنا من لحمه؟
قال ابن آوى: هذا مما لا نستطيع ذكره للأسد: لأنه قد أمن الجمل،
وجعل له من ذمته عهداً.
قال الغراب: أنا أكفيكم أمر الأسد.
ثم انطلق فدخل على الأسد؛
فقال له الأسد: هل أصبت شيئاً؟
قال الغراب: إنما يصيب من يسعى ويبصر.
وأما نحن فلا سعي لنا ولا بصر: لما بنا من الجوع؛
ولكن قد وفقنا لرأي واجتمعنا عليه؛
إن وافقنا الملك فنحن له مجيبون.
قال الأسد: وما ذاك؟
قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب المتمرّغ بيننا من غير منفعة لنا منه،
ولا رد عائدةٍ،
ولا عمل يعقب مصلحةً.
فلما سمع الأسد ذلك غضب وقال: ما أخطأ رأيك،
وما اعجز مقالك،
وأبعدك من الوفاء والرحمة؟
وما كنت حقيقاً أن تجتري علي بهذه المقالة،
وتستقبلني بهذا الخطاب؛
مع ما علمت من أني قد أمنت الجمل،
وجعلت له من ذمتي.
أو لم يبلغك أنه لم يتصدق متصدقٌ بصدقةٍ هي أعظم أجراً ممن أمن نفساً خائفةً،
وحقن دماً مهدراً؟
وقد أمنته ولست بغادر به.
قال الغراب: إني لأعرف ما يقول الملك؛
ولكن النفس الواحدة يفتدى بها أهل البيت؛
وأهل البيت تفتدى بهم القبيلة؛
والقبيلة يفتدى بها أهل المصر؛
وأهل المصر فداء الملك.
وقد نزلت بالملك الحاجة؛
وأنا أجعل له من ذمته مخرجاً،
على ألا يتكلف الملك ذلك،
ولا يليه بنفسه،
ولا يأمر به أحداً؛
ولكنا نحتال بحيلةٍ لنا وله فيها إصلاحٌ وظفرٌ.
فسكت الأسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب.
فلما عرف الغراب إقرار الأسد أتى أصحابه،
فقال لهم: قد كلمت الأسد في أكله الجمل؛
على أن نجتمع نحن والجمل عند الأسد،