فنذكر ما أصابه،
ونتوجع له اهتماماً منا بأمره،
وحرصاً على صلاحه؛
ويعرض كل واحدٍ منا نفسه عليه تجملاً ليأكله،
فيرد الآخران عليه،
ويسفها رأيه،
ويبينان الضرر في أكله.
فإذا فعلنا ذلك،
سلمنا كلنا ورضي الأسد عنا.
ففعلوا ذلك،
وتقدموا إلى الأسد؛
فقال الغراب: قد احتجت أيها الملك إلى ما يقويك؛
ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك: فإنا بك نعيش؛
فإذا هلكت فليس لأحدٍ منا بقاءٌ عندك،
ولا لنا في الحياة من خيرةٍ؛
فليأكلني الملك: فقد طبت بذلك نفساً.
فأجابه الذئب وابن آوى أن اسكت؛
فلا خير للملك في أكلك؛
وليس فيك شبعٌ.
قال ابن آوى لكن أنا أشبع الملك،
فليأكلني: فقد رضيت بذلك،
وطبت عنه نفساً.
فرد عليه الذئب والغراب بقولهما: إنك لمنتنٌ قذرٌ.
قال الذئب: إني لست كذلك،
فليأكلني الملك،
فقد سمحت بذلك،
وطبن عنه نفساً؛
فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا: قد قالت الأطباء: من أراد قتل نفسه فليأكل لحم ذئبٍ.
فظن الجمل أنه إذا عرض نفسه على الأكل،
التمسوا له عذراً كما التمس بعضهم لبعضٍ الأعذار،
فيسلم ويرضى الأسد عنه بذلك،
وينجو من المهالك.
فقال: لكن أنا في للملك شبعٌ وريٌ؛
ولحمي طيبٌ هنيٌ،
وبطني نظيفٌ،
فليأكلني الملك،
ويطعم أصحابه وخدمه: فقد رضيت بذلك،
وطابت نفسي عنه،
وسمحت به.
فقال الذئب والغراب وابن آوى: لقد صدق الجمل وكرم؛
وقال ما عرف.
ثم إنهم وثبوا عليه فمزقوه.م إنهم وثبوا عليه فمزقوه.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنه إن كان أصحاب الأسد قد اجتمعوا على هلاكي فإني لست أقدر أن أمتنع منهم،
ولا أحترس؛
وإن كان رأي الأسد لي على غير ما هم من الرأي في،
فلا ينفعني ذلك،
ولا يغني عني شيئاً.
وقد يقال: خير السلاطين من عدل في الناس.
ولو أن الأسد لم يكن في نفسه لي إلا الخير والرحمة،
لغيرته كثرة الأقاويل: فإنها إذا كثرت لم تلبث دون أن تذهب الرقة والرأفة.
ألا ترى الماء ليس كالقول؛
وأن الحجر لم يلبث حتى يثقبه ويؤثر فيه.
وكذلك القول في الإنسان.
قال دمنة: فماذا تريد أن تصنع الآن؟
قال شتربة: ما أرى إلا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال: فإنه ليس للمصلي في صلاته،
ولا للمتصدق في صدقته،
ولا للورع في ورعه من الأجر ما للمجاهد عن نفسه،