قال لدمنة: أيها الفسل ما أنكر جهلتك وأسوأ عاقبتك في تدبيرك! قال دمنة: وما ذاك؟ قال كليلة: جرح الأسد وهلك الثور. وإن أخرق الخرق من حمل صاحبه على سوء الخلق والمبارزة والقتال، وهو يجد إلى غير ذلك سبيلاً. وإن العاقل يدبر الأشياء ويقيسها قبل مباشرتها: فما رجا أن يتم له منها أقدم عليه، وما خاف أن يتعذر عليه منها انحرف عنه، ولم يلتفت إليه. وإني لأخاف عليك عاقبة بغيك هذا: فإنك قد أحسنت القول ولم تحسن العمل. أين معاهدتك إياي أنك لا تضر بالأسد في تدبيرك؟ وقد قيل: لا خير في القول إلا مع العمل، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع النية، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الحياة إلا مع الصحة، ولا في الأمن إلا مع السرور.
واعلم أن الأدب يذهب عن العاقل الطيش، ويزيد الأحمق طيشاً؛ كما أن النهار يزيد كل ذي بصر نظراً، ويزيد الخفاش سوء النظر.
وقد أذكرني أمرك شيئاً سمعته،
فإن يقال: إن السلطان إذا كان صالحاً،
ووزراؤه وزراء سوءٍ،
منعوا خيره،
فلا يقدر أحدٌ أن يدنو منه.
ومثله في ذلك مثل الماء الطيب الذي فيه التماسيح: لا يقدر أحدٌ أن يتناوله،
وإن كان إلى الماء محتاجاً.
وأنت يا دمنة أردت ألا يدنو من الأسد أحد سواك.
وهذا أمرٌ لا يصح ولا يتم أبداً.
وذلك للمثل المضروب: إن البحر بأمواجه،
والسلطان بأصحابه.
ومن الحمق الحرص على التماس الإخوان بغير الوفاء لهم،
وطلب الآخرة بالرياء،
ونفع النفس بغير الضر.
وما عظتي وتأديبي إياك إلا كما قال الرجل للطائر: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم،
ولا تعالج تأديب من لا يتأدب.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال كليلة: زعموا أن جماعةً من القردة كانوا سكاناً في جبلٍ،
فالتمسوا في ليلةٍ باردةٍ ذات رياح وأمطارٍ نادراً،
فلم يجدوا،
فرأوا يراعةً تطير كأنها شرارة نارٍ،
فظنوها ناراً،
وجمعوا حطباً كثيراً فألقوه عليها،
وجعلوا ينفخون طمعاً أن يوقدوا ناراً يصطلون بها من البرد.
وكان قريباً منهم طائر على شجرةٍ،
ينظرون إليه وينظر إليهم،
وقد رأى ما صنعوا،
فجعل يناديهم ويقول: لا تتعبوا فإن الذي رأيتموه ليس بنارٍ.