فلما طال ذلك عليه عزم على القرب منهم لنهاهم عما هم فيه،
فمر به رجلٌ فعرف ما عزم عليه.
فقال له: لا تلتمس تقومي ما لا يستقيم: فإن الحجر المانع الذي لا ينقطع لا تجرب عليه السيوف،
والعود الذي لا نحني لا يعمل منه القوس: فلا تتعب.
فأبى الطائر أن يطيعه،
وتقدم إلى القردة ليعرفهم أن البراعة ليسن بناءٍ.
فتناوله بعض القردة فضرب به الأرض فمات.
فهذا مثلي معك في ذلك.
ثم قد غلب عليك الخبّ والفجور ،
وهما خلتا سوءٍ،
والخصب شرهما عاقبةً.
ولهذا مثل.
قال دمنة: وما ذلك المثل؟
قال كليلة: زعموا أن خباً ومغفلاً اشتركا في تجارةٍ وسافرا،
فبينما هما في الطريق،
إذ تخلف المغفل لبعض حاجته،
فوجد كيساً فيه ألف دينار،
فأخذه؛
فأحس به الخب،
فرجعا إلى بلدهما؛
حتى إذا دنوا من المدينة قعدا لاقتسام المال.
فقال المغفل: خذ نصفه وأعطني نصفه؛
وكان الخب قد قرر في نفسه أن يذهب بالألف جميعه.
فقال له: لا نقتسم،
فإن الشركة والمفاوضة أقرب إلى الصفاء والمخالطة؛
ولكن آخذ نفقةً،
وتأخذ مثلها؛
وندفن الباقي في أصل هذه الشجرة: فهو مكانٌ حريزٌ.
فإذا احتجنا جئنا أنا وأنت فنأخذ حاجتنا منه؛
ولا يعلم بموضعنا أحدٌ.
فأخذا منه يسيراً،
ودفنا الباقي في أصل دوحةٍ،
ودخلا البلد.
ثم إن الخب خالف المغفل إلى الدنانير فأخذها،
وسوى الأرض كما كانت.
وجاء المغفل بعد ذلك بأشهر فقال للخب: قد احتجت إلى نفقةٍ فانطلق بنا نأخذ حاجتنا؛
فقام الخب معه وذهبا إلى المكان فحفرا،
فلم يجدا شيئاً.
فأقبل الخب على وجهه يلطمه يقول: لا تغتر بصحبة صاحب: خالفتني إلى الدنانير فأخذتها.
فجعل المغفل يحلف ويلعن آخذها ولا يزداد الحب إلا شدة في اللطم.
وقال: ما أخذها غيرك.
وهل شعر بها أحدٌ سواك؟
ثم طال ذلك بينهما،
فترافعا إلى القاضي،
فاقتص القاضي قصتهما،
فادعى الخب أن المغفل أخذها،
وجحد المغفل.
فقال للخب: ألك على دعواك بينة؟
قال: نعم الشجرة التي كانت الدنانير عندها تشهد لي أن المغفل أخذها.
وكان الخب قد أمر أباه أن يذهب فيتوارى في الشجرة بحيث إذا سئلت أجاب.
فذهب أبو الخب فدخل جوف الشجرة.
م إن القاضي لما سمع ذلك من الخب أكبره،
وانطلق هو وأصحابه والخصب والمغفل معه؛