ولكن نبث العيون ونبعث الجواسيس ونرسل الطلائع بيننا وبين عدونا فنعلم أيريد صلحنا أم يريد حربنا أم يريد الفدية ؟
فإن رأينا أمره أمر طامع في مال،
لم نكره الصلح على خراجٍ نؤديه إليه كل سنة،
ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا : فإن من آراء الملوك إذا أشتدت شوكة عدوهم،
فخافوه على أنفسهم وبلادهم،
أن يجعلوا الأموال جنة البلاد والملك والرعية.
قال الملك للرابع : فما رأيك في هذا الصلح ؟
قال لا أراه رأياً بل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خيرٌ من أن نضيع أحسابنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو عرضنا ذلك عليهن لما رضين منّا إلا بالشَّطط.
ويقال في الأمثال : قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك،
ولا تقاربه كل المقاربة فيتجرىء عليك ويضعف جندك وتذلَّ نفسك.
ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس : إذا أملتها قليلاً زاد ظلها،
وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظلُّ.
وليس عدونا راضياً منّا بالدون في المقاربة،
فالرأي لنا ولك المحاربة.
قال الملك للخامس : ما تقول أنت ؟
وماذا ترى : القتال أم الصلح أم الجلاء عن الوطن ؟
قال : أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه وقد يقال : إنه من لا يعرف نفسه وعدوه وقاتل من لا يقوى عليه،
حمل نفسه على حتفها،
مع أن العاقل لا يستصغر عدواً : فإن من استصغر عدوه اغتر به ومن اغتر بعدوه لم يسلم منه.
وأنا للبوم شديد الهيبة وإن أضربن عن قتالنا وقد كنت أهابها قبل ذلك،
فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال فإن كان بعيداً لم يأمن سطوته،
وإن كان مكثباً لم يأمن من وثبته،
وإن كان وحيداً لم يأمن من مكره.
وأحزم الأقوام وأكسيهم من كره القتال لجل النفقة فيه : فإن ما دون القتال النفقة فيه من الأموال والقول والعمل،
والقتال النفقة فيه من الأنفس والأبدان.
فلا يكونن القتال للبوم من رأيك،
أيها الملك : فإن من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرر بنفسه.
فإذا كان الملك محصناً للأسرار،
متخيراً للوزراء،
مهيباً في أعين الناس،
بعيداً من أن يقدر عليه،
كان خليقاً ألا يسلب صحيح ما أوتي من الخير.
وأنت،
أيها الملك،
كذلك.
وقد استشرتني في أمر جوابك منّي عنه،