وأنت مدّع له.
فإن كان لك حقٌ فاستعد بإثباته عليّ.
قال الصفرد : القاضي منا قريب فهلمي بنا إليه.
قالت الأرنب : ومن القاضي ؟
قال الصفرد : إن بساحل البحر سنوراً متعبداً،
يصوم النهار،
ويقوم الليل كله ؛
ولا يؤذي دابة،
ولا يهرق دماً،
عيشه من الحشيش ومما يقذفه إليه البحر.
فإن أحببت تحاكمنا إليه،
ورضينا به.
قالت الأرنب : ما أرضاني به إذا كان كما وصفت.
فانطلقا إليه فتبعتهما لأنظر إلى حكومة الصوام القوام ثم إنهما ذهبا إليه فلما بصر السنور بالأرنب والصفرد مقبيلين نحوه،
انتصب قائماً يصلي،
وأظهر الخشوع والتنسك.
فعجبا لما رأيا من حاله ودنوا منه هائبين له،
وسلما عليه وسألاه أن يقضي بينهما.
فأمرهما أن يقصا عليه القصة ففعلا.
فقال لهما : قد بلغني الكبر وثقلت أذناي : فادنوا مني فاسمعاني ما تقولان.
فدنوا منه،
وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم فقال قد فهمت ما قلتما،
وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة بينكما : فأنا آمركما بتقوى الله وألا تطلبا إلا الحق،
وطالب الحق هو الذي يفلح وإن قضى عليه وطالب الباطل مخصوم وإن قضى له.
وليس لصاحب الدنيا من دنياه شئ لا مال ولا صديق سوى العمل الصالح يقدمه فذو العقل حقيق أن يكون سعيه في طلب ما يبقى وعود نفعه عليه غداً،
وأن يمقت بسعيه فيما سوى ذلك من أمور الدنيا.
فإن منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر،
ومنزلة الناس عنده فيما يحب أهم من الخير ويكره من الشر بمنزلة نفسه.
ثم إن السّنّور لم يزل يقصّ عليهما من جنس هذا وأشباهه،
حتى أنسا إليه،
وأقبلا عليه،
ودنوا منه،
ثم وثب عليهما فقتلهما.
قال الغراب : ثم إن البوم تجمع مع ما وصفت لكن من الشؤم سائر العيوب : فلا يكونن تمليك البوم من رأيكن.
فلما سمع الكراكي ذلك من كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم.
وكان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا،
فقال للغراب : لقد وترتني أعظم الترة،
ولا أعلم أنه سلف مني إليك سوءٌ أوجب هذا.
وبعد فاعلم أن الفأس يقطع به الشجر فيعود ينبت،
السيف يقطع اللحم ثم يعود فيندمل،
واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسى مقاطعه.
والنصل من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج،