وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج.
ولكل حريق مطفئٌ : فللنار الماء،
وللسم الدواء،
وللحزن الصبر ونار الحقد لا تخبو أبداً.
وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر الحقد والعداوة والبغضاء.
فلما قضى البوم مقالته،
ولىّ مغضباً،
فأخبر ملك البوم بما جرى وبكل ما كان منقول الغراب،
ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه،
وقال : والله لقد خرقت في قولي الذي جلبت به العداوة والبغضاء على نفسي وقومي !
وليتني لم أخبر الكراكي بهذه الحال !
ولا أعلمتها بهذا الأمر !
ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر مما رأيت،
وعلم أضعاف ما علمت،
فمنعها من الكلام بمثل ما اتقاء ما لم أتق،
والنظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب،
لا سيما إذا كان الكلام أفظع كلام،
يلقى منه سامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة،
فلا ينبغي لأشباه هذا الكلام،
أن تسمى كلاماً،
ولكن سهاماً.
والعاقل،
وإن كان واثقاً بقوته وفضله،
لا ينبغي أن يحمل ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة،
كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالاً على ما عنده.
وصاحب حسن العمل،
وإن قصر به القول في مستقبل الأمر،
كان فضله بيّناً واضحاً في العاقبة والاختار،
وصاحب حسن القول،
وإن أعجب الناس منه حسن صفته للأمور لم تحمد عاقبة أمره.
وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة.
أليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشير فيه أحداً،
ولم أعمل فيه رأياً؟
ومن لم يستشر النصاء الأولياء،
وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية،
لم يغتبط بمواقع رأيه.
فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا،
وما وقعت فيه من الهم!
وعاتب الغراب نفسه بهذا الكلام وأشباهه وذهب.
فهذا ما سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا وبين البوم.
وأما القتال فقد علمت رأيي فيه،
وكراهتي له،
ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء الله تعالى : فإنه ربَّ قوم قد احتالوا بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا.
ومن ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالناسك،
وأخذوا عريضه قال الملك: وكيف كان ذلك ؟