ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهلها كلام الملوك والنظر في أمورهم.
فأمسك عن هذا،
واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه أصابه ما أصاب القرد من النجار.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال كليلة: زعمواً أن قرداً رأى نجاراً يشق خشبة بين وتدين،
وهو راكب عليها؛
فأعجبه ذلك.
ثم إن النجار ذهب لبعض شأنه.
فقام القرد؛
وتكلف ما ليس من شغله،
فركب الخشبة،
وجعل ظهره قبل الوتد،
ووجهه قبل الخشبة؛
فتدلى ذنبه في الشق،
ونزع الوتد فلزم الشق عليه فخر مغشياً عليه.
فكان ما لقي من النجار من الضرب أشد مما أصابه من الخشبة.
قال دمنة: قد سمعت ما ذكرت،
ولكن اعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه،
وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت العدو.
وإن من الناس من لا مروءة له؛
وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون؛
كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به.
وأما أهل الفضل والمروءة فلا يقنعهم القليل،
ولا يرضون به،
دون أن تسموا به نفوسهم إلى ما هم أهلٌ له،
وهو أيضاً لهم أهلٌ؛
كالأسد الذي يفترس الأرنب،
فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير،
ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه.
حتى ترمى له الكسرة،
وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق له.
قمن عاش ذا مالٍ وكان ذا فضلٍ وإفضالٍ على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر.
ومن كان في عيشه ضيقٌ وقلةٌ وإمساكٌ على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه.
ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عد من البهائم.
قال كليلة: قد فهمت ما قلت؛
فراجع عقلك،
واعلم أن لكل إنسانٍ منزلةً وقدراً.
فإن كان في منزلته التي هو فيها متماسكاً،
كان حقيقاً أن يقنع.
وليس لنا من المنزلة ما يحط حالنا التي نحن عليها.
قال دمنة: إن المنازل متنازعةٌ مشتركةٌ على قدر المروءة؛
فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة؛
ومن لا مروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة.
إن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديدٌ،
والانحطاط منه مهينٌ؛
كالحجر الثقيل: رفعه من الأرض إلى العاتق عسرٌ،
ووضعه إلى الأرض هينٌ.
فنحن أحق أن نروم ما فوقنا من المنازل،
وأن نلتمس ذلك بمروءتنا.