وشبع بذلك وعاش قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الغراب : زعموا أن أسود من الحيات كبر،
وضعف بصره وذهبت قوته : فلم يستطع صيداً ولم يقدر على طعام وأنه انساب يتلمس شيئاً يعيش به،
حتى انتهى إلى عين كثيرة الضفادع،
قد كان يأتيها قبل ذلك،
فيصيب من ضفاضعها رزقه فرمى نفسه قريباً منهنّ مظهراً للكآبة والحزن فقال له ضفدع : ما لي أراك أيها الأسود كئيباً حزيناً ؟
قال : ومن أحرى بطول الحزن مني !
وإنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيب من الضفادع فابتليت ببلاء وحرمت على الضفادع من أجله،
حتى إني إذا التقيت ببعضها لا أقدر على إمساكه.
فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع،
فبشره بما سمع من الأسود فقال له: كيف كان أمرك؟
قال سعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند المساء فاضطررته إلى بيت ناسك،
ودخلت في أثره في ظلمة وفي البيت ابن الناسك،
فأصبت إصبعه،
فظننت أنها الضفدع،
فلدغته فمات فخرجت هارباً،
فتبعني الناسك في أثري،
ودعا عليّ ولعنني وقال : كما قتلت ابني البريء ظلماً وتعدياً،
أدعو عليك أن تذل وتصير مركباً لملك الضفادع،
فلا تستطيع أخذها،
ولا أكل شيء منها،
إلا ما يتصدق به عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقراً بذلك راضياً به فرغب ملك الضفادع بركوب الأسود،
وظن أن ذلك فخراً له وشرف ورفعة فركب و استطاب له ذلك.
فقال له الأسود : قد علمت أيها الملك أني محروم فاجعل لي رزقاً أعيش به فقال ملك الضفادع : لعمري لابد من رزق يقوم بك،
إذا كنت مركبي فأمر له بضفدعين يؤخذان في كل يوم ويدفعان إليه فعاش بذلك،
ولم يضره خضوعه للعدو الذليل،
بل انتفع بذلك وصار له رزقاً ومعيشة وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه،
التماساً لهذا النفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الأمن الظفر،
وهلاك العدو والراحة منه ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالاً للعدو من صرعة المكابرة ؛
فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها والماء ببرده ولينه يستأصل ما تحت الأرض منها ويقال أربعة أشياء لا يستقل قليلها : النار والمرض والعدو والدين.