== باب الأسد والشغبر الناسك وهو ابن آوى من كتاب كليلة و دمنة ==
محسن قريس
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الملك الذي يراجع من أصابته منه عقوبة من غير جرم أو جفوة من غير ذنب. قال الفيلسوف: إن الملك لو لم يراجع من أصابته منه جفوة عن ذنب أو عن غير ذنب، ظلم أولم يظلم لأضر ذلك ويخبر ما عنده من المنافع فإن كان ممن يوثق به في رأيه وأمانته، فإن الملك حقيق بالحرص على مراجعته: فإن الملك لا يستطاع ضبطه إلا مع ذوي الرأي وهم الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا مودة ولا نصيحة إلا لذوي الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، والذين يحتاج إليهم من العمال والأعوان كثيرون. ومن يجمع منهم ما ذكرت من النصيحة والعفاف قليل. والمثل في ذلك مثل الأسد وابن آوى. قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن ابن آوى كان يسكن في بعض الدحال وكان متزهداً متعففاً،
مع بنات آوى وذئاب وثعالب.
ولم يكن يصنع ما يصنعن،
ولا يغير كما يغرن،
ولا يهريق دماً ولا يأكل لحماً.
فخاصمه تلك السباع،
وقلن لا نرضى بسيرتك و لا رأيك الذي أنت عليه من تزهدك: مع أن تزهدك لا يغني عنك شيئاً.
وأنت لا تستطيع أن تكون إلا كأحدنا: تسعى معنا،
وتفعل فعلنا فما الذي كفك عن الدماء وعن أكل اللحم؟
قال ابن آوى: إن صحبتي إياكن لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي: لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب،
ولكنها من قبل القلوب والأعمال.
ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً،
وصاحب المكان السيء يكون عمله فيه سيئاً،
كان حينئذ من قتل الناسك في محرابه لم يأثم،
ومن استحياه في معركة القتال أثم.
وإني إنما صحبتكن بنفسي،
ولم أصحبكن بقلبي وأعمالي: لأني أعرف ثمرة الأعمال: فلزمت حالي: وثبت ابن آوى على حاله تلك واشتهر بالنسك والتزهد حتى بلغ ذلك أسداً كان ملك تلك الناحية فرغب فيه: لما بلغه عنه من العفاف والنزاهة والزهد والأمانة فأرسل إليه يستدعيه.
فلما حضر كلمه وآنسه فوجده في جميع الأمور وفق غرضه.
ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته وقال له: تعلم أن عمالي كثير وأعواني جم غفير وأنا مع ذلك إلى الأعوان محتاج.