كليلة ودمنة

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

وقد بلغني عنك عفاف وأدب وعقل ودين فازددت فيك رغبة. وأنا موليك من عملي جسيماً ورافعك إلى منزلة شريفة وجاعلك من خاصتي. قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الأعوان فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم. وهم أحرى ألا يكرهوا على ذلك أحداً: فإن المكره لا يستطيع البالغة في العمل. وإني لعمل السلطان كاره. وليس لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع وعندك من أجناس الوحوش عدد كثير فيهم أهل نبل وقوة ولهم على العمل حرص وعندهم به وبالسلطان رفق: فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابهم من ذلك. قال الأسد: دع عنك هذا: فإني غير معفيك من العمل. قال ابن آوى: إنما يستطيع خدمة السلطان رجلان لست بواحد منهما: إما فاجر مصانع ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته وإما مغفل لا يحسده أحد. فن أراد أن يخدم السلطان بالصدق والعفاف فلا يخلط ذلك بمصانعته وحينئذ قل أن يسلم على ذلك: لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. أما الصديق فينافسه في منزلته ويبغى عليه فيها ويعاديه لأجلها وأما عدو السلطان فيضطغن عليه لنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذان الصنفان فقد تعرض للهلاك. قال الأسد: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك مما يعرض في نفسك: فأنت معي وأنا أكفيك ذلك وأبلغ بك من درجات الكرامة والإحسان على قدر همتك. قال ابن آوى: إن كان الملك يريد الإحسان إلي فليدعني في هذه البرية أعيش آمناً قليل الهم راضياً بعيشي من الأذى والخوف في ساعة واحدة ما لا يصل إلى غيره في طول عمره وإن قليلاً من العيش في آمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف ونصب. قال الأسد: قد سمعت مقالتك، فلا تخف شيئاً مما أراك تخاف منه. وست أجد بداً من الاستعانة بك في أمري. قال ابن آوى : أنا إذا أبى الملك إلا ذلك فليعجل لي عهداً إن بغى على أحد من أصحابه عنده، ممن هو فوقي: مخافة على منزلته، أو ممن هو دون: لينازعني في منزلتي فذكر عند الملك منهم ذاكر بلسانه، أو على لسان غيره ما يريد به تحميل الملك على ألا يعجل في أمر وأن يتثبت فيما يرفع إليه ويذكر عنده من ذلك ويفحص عنه ثم ليصنع ما بدا له.
السابقةصفحة 47 من 51
التالية