فإذا وثقت منه بذلك أعنته بنفسي فيما يحب وعملت له فيما أولاني بنصيحة واجتهاد وحرصت على ألا أجعل له على نفسي سبيلاً.
قال الأسد: لك ذلك على وزيادة.
ثم ولاه خزائنه واختص به دون أصحابه وزاد في كرامته.
فلما رأى أصحاب الأسد ذلك غاظهم وساءهم؟
فأجمعوا كيدهم،
واتفقوا كلهم على أن يحملوا عليه الأسد وكلن الأسد قد استطاب لحماً فعزل منه مقدراً،
وأمره بالاحتفاظ به،
وأن يرفعه في أحصن موضع طعامه وحملوه إلى بيت ابن آوى،
فخبئوه فيه،
ولا علم له به،
ثم حضروا يكذبونه إن جرت في ذلك حال.
فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه،
فقد ذلك اللحم،
فالتمسه ولم يجده،
وابن آوى لم يشعر بما صنع في حقه من المكيدة.
فحضر الذين عملوا المكيدة،
وقعدوا في المجلس.
ثم إن الملك سأل عن اللحم،
وشدد فيه،
وقي المسألة عنه،
فنظر بعضهم إلى بعض،
فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بما يضره وينفعه،
وإن شق ذلك على من يشق عليه.
وإنه بلغني أن ابن آوى هو الذي ذهب باللحم إلى منزله.
قال الآخر: لا أراه يفعل هذا،
ولكن انظروا وفحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.
فقال الآخر: لعمري ما تكاد السرائر تعرف،
وأظنكم إن فحصتم عن هذا وجدتم اللحم ببيت ابن آوى،
وكل شيء يذكر من عيوبه وخيانته نحن أحق أن نصدقه.
قال الآخر: لئن وجدنا هذا حقاً فليست بالخيانة فقط،
ولكن مع الخيانة كفر النعمة،
والجراءة على الملك.
قال الآخر: أنتم أهل العدل والفضل،
لا أستطيع أن أكذبكم،
ولكن سيبين هذا لو أرسل إلى الملك من يفتشه.
قال الآخر: إن كان الملك مفتشاً منزله فليعجل: فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.
ولم يزالوا في الكلام و أشباهه،
حتى وقع في نفس الأسد ذلك،
فأمر بابن آوى فحضر فقال له: أين اللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به،
قال: دفعته إلى صاحب الطعام ليقربه إلى الملك.
فدعا الأسد بصاحب الطعام،
وكان ممن وبايع مع القوم على ابن آوى.
فقال: ما دفع إلى شيئاً.
فأرسل الأسد أميناً إلى بيت ابن آوى ليفتشه،
فوجد فيه ذلك اللحم،
فأتى به الأسد.
فدنا من الأسد ذئب لم يكن تكلم في شيء من ذلك.
وكان يظهر أنه من العدول الذين لا يتكلمون فيما لا يعلمون،
حتى يتبين لهم الحق.