كليلة ودمنة

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

فبينما أم الأسد تقص عليه هذه المقالة، إذ دخل على الأسد بعض ثقاته، فأخبره ببراءة ابن آوى. فقالت أم الأسد، بعد أن اطلع الملك على براءة ابن آوى: إن الملك حقيق ألا يرخّص لمن سعى به لئلا يتجرءوا إلى ما هو أعظم من ذلك بل يعاقبهم عليه لكي لا يعودوا إلى مثله: فأنه لا ينبغي للعاقل أن يراجع في أمر الكفور للحسنى، الجريء على الغدر، الزاهد في الخير الذي لا يوقن بالآخرة. وينبغي أن يجزى بعمله، وقد عرفت سرعة الغضب وفرط الهفوة، ومن سخط باليسير لم يبلغ رضاه بالكثير. والأولى لك أن تراجع ابن آوى، وتعطف عليه، ولا يوئسنك من مناصحته ما فرط منك إليه من الإساءة: فإن من الناس من لا ينبغي تركه على حال من الأحوال، وهو من عرف بالصلاح والكرم وحسن العهد والشكر والوفاء والمحبة للناس والسلامة من الحسد والبعد من الأذى والاحتمال للإخوان والأصحاب وإن ثقلت عليه منه المئونة. وأما من ينبغي تركه فهو من عرف بالشراسة ولؤم العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد من الرحمة والورع، واتصف بالجحود لثواب الآخرة وعقابها. وقد عرفت ابن آوى وجربته وأنت حقيق بمواصلته. فدعى الأسد بابن آوى وأعتذر إليه مما كان منه ووعده خيراً، وقال: إني معتذر إليك ورادّك إلى منزلتك. فقال ابن آوى: إن شر الأخلاء من التمس منعة نفسه بضر أخيه، ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه، أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق لأجل إتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء. وقد كان من الملك إلى ما علم فلا يغلظن على نفسه ما اخبره به إني به غير واثق، وإنه لا ينبغي لي أن أصحبه: فإن الملوك لا ينبغي أن يصحبوا من عاقبوه أشد العقاب، ولا ينبغي لهم أن يرفضوه أصلاً: فإن ذا السلطان إذا عزل كان مستحقاً للكرامة في حالة إبعاده والإقصاء له. فلم يلتفت الأسد إلى كلامه. ثم قال له: إني قد بلوت طباعك وأخلاقك، وجربت أمانتك ووفاءك وصدقك، وعرفت كذب من تمحّل الحيلة لتحملي عليك. وإني منزلك من نفسي منزلة الأخيار الكرماء، والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان، الخلال الكثيرة من الإساءة. وقد عدنا إلى الثقة بك، فعد إلى الثقة بنا: فإن لنا ولك بذلك غطة وسروراً. فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يلي،
السابقةصفحة 50 من 51
التالية