قال كليلة: أما إن قلت هذا أو قلت هذا فإن أخاف عليك من السلطان فإن صحبته خطرةٌ.
وقد قالت العلماء: إن أموراً ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج،
ولا يسلم منهن إلا قليلٌ،
وهي: صحبة السلطان،
وائتمان النساء على الأسرار،
وشرب السم للتجربة.
وإنما شبه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والجواهر النفيسة والأدوية النافعة.
وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضارٍ مخوفٍ.
فالارتقاء إليه شديدٌ،
والمقام فيه أشد.
قال دمنة: صدقت فيما ذكرت؛
غير أنه من لم يركب الأهوال،
لم ينل الرغائب؛
ومن ترك الأمر الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبةً ومخافةً لما لعله أن يتوقاه،
فليس ببالغٍ جسيماً.
وقد قيل: إن خصالاً ثلاثاً لن يستطيعها أحد إلا يمعونة من علو همةٍ وعظيم خطرٍ: منها عمل السلطان وتجارة البحر ومناجزة العدو.
وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل الرشيد: إن لا يرى إلا في مكانين،
ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرماً،
وإما مع النساك متعبداً،
كالفيل إنما جماله وبهاؤه في مكانتين: إما أن تراه وحشياً وإما مركباً للملوك.
قال كليلة: خار الله لك فيما عزمت عليه.
ثم إن دمنة انطلق حتى دخل الأسد فسلم عيه.
فقال الأسد لبعض جلسائه: من هذا؟
فقال فلان بن فلان.
قال: قد كنت أعرف أباه.
ثم سأله أين تكون؟
قال: لم أزل ملازماً باب الملك،
رجاء أن يحضر أمرٌ فأعين الملك به بنفسي ورأيي: فإن أبواب الملك تكثر فيها الأمور التي ربما تحتاج فيها إلى الذي لا يؤبه له؛
وليس أحدٌ يصغر أمره إلا وقد يكون عنده بعض الغناء والمنافع على قدره؛
حتى العود الملقى في الأرض ربما نفع،
فيأخذه الرجل فيكون عدته عند الحاجة إليه.
فلما سمع الأسد قول دمنة أعجبه،
وظن أن عنده نصيحةً ورأياً.
فأقبل على من حضر فقال: إن الرجل ذا العلم والمروءة يكون خامل الذكر خافض المنزلة،
فتأبى منزلته إلا أن تشب وترتفع؛
كالشعلة من النار يضربها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً.
فلما عرف دمنة أن الأسد قد عجب منه قال: إن رعية الملك تحضر باب الملك،
رجاء أن يعرف ما عندها من علمٍ وافرٍ.
وقد يقال: إن الفضل في أمرين: فضل المقاتل على المقاتل والعالم على العالم.