وإن كثرة الأعوان إذا لم يكونوا مختبرين ربما تكون مضرةً على العمل: فإن العمل ليس رجاؤه بكثرة الأعوان ولكن بصالحي الأعوان.
ومثل ذلك مثل الرجل الذي يحمل الحجر الثقيل،
فيقل به نفسه،
ولا يجد له ثمناً.
والرجل الذي يحتاج إلى الجذوع لا يجزئه القصب وإن كثر.
فأنت الآن أيها الملك حقيقٌ ألا تحقر مروءةٌ أنت تجدها عند رجل صغير المنزلة: فإن الصغير ربما عظم،
كالعصب يؤخذ من الميتة فإذا عمل منه القوس أكرم،
فتقبض عليه الملوك وتحتاج إليه في البأس واللهو.
وأحب دمنة أن يري القوم أن ما ناله من كرامة الملك غنما هو لرأيه ومروءته وعقله: لأنهم عرفوا قبل ذلك أن ذلك لمعرفته أباه،
فقال: إن السلطان لا يقرب الرجال لقرب آبائهم،
ولا يبعدهم لبعدهم،
ولكن ينبغي أن ينظر إلى كل رجلٍ بما عنده: لأنه لا شيء أقرب إلى الرجل من جسده ومن جسده ما يدوى حتى يؤذيه ولا يدفع ذلك عنه إلا بالدواء الذي يأتيه من بعد.
فلما فرغ دمنة من مقالته هذه أعجب الملك به إعجاباً شديداً،
وأحسن الرد عليه،
وزاد في كرامته.
ثم قال لجلسائه: ينبغي للسلطان ألا يلج في تضييع حق ذوي الحقوق.
والناس في ذلك رجلان: رجلٌ طبعه الشراسة،
فهو كالحية إن وطئها الواطئ فلم تلدغه،
لم يكن جديراً أن يغره ذلك منها،
فيعود إلى وطئها ثانية فتلدغه؛
ورجلٌ أصل طباعه السهولة،
فهو كالصندل البارد الذي إذا أفرط في حكه صار حاراً مؤذياً.
ثم إن دمنة استأنس بالأسد وخلا به.
فقال يوما: أرى الملك قد أقام في مكانٍ واحدٍ لا يبرح منه،
فما سبب ذلك؟
فبينما هما في هذا الحديث إذ خار شتربة خواراً شديداً: فهيج الأسد وكره أن يخبر دمنة بما ناله؛
وعلم دمنة أن ذلك الصوت قد أدخل على الأسد ريبةً وهيبةً.
فسأله: هل راب الملك سماع هذا الصوت؟
قال لم يربني شيءٌ سوى ذلك.
قال دمنة: ليس الملك بحقيقٍ أن يدع مكانه لأجل صوتٍ.
فقد قالت العلماء: إن ليس من كل الأصوات تجب الهيبة.
قال الأسد: وما مثل ذلك؟
قال دمنة: زعموا أن ثعلباً أتى أجمةً فيها طبل معلق على شجرةٍ،
وكلما هبت الريح على قضبان تلك الشجرية حركتها،
فضربت الطبل فسمع له صوتٌ عظيمٌ؛
فتوجه الثعلب نحوه لأجل ما سمع من عظم صوته؛
فلما أتاه وجده ضخماً،