ألف ليلة وليلة — السندباد البحري

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

== وفي الليلة الثانية والأربعين بعد الخمسمائة == قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن السندباد البحري لما نزل في الفلك هو وأصحابه وصار يرجمهم السود ورفيقته فمات أكثرهم ولم يبق منهم إلا ثلاثة أشخاص فطلع بهم الفلك إلى جزيرة، قال فمشينا إلى آخر النهار فدخل علينا ونحن على هذه الحالة فنمنا قليلاً واستيقظنا من نومنا وإذا بثعبان عظيم الخلقة كبير الجثة واسع الجوف قد أحاط بنا وقصد واحداً فبلعه إلى أكتافه ثم بلع باقيه فسمعنا أضلاعه تتكسر في بطنه وراح في حال سبيله، فتعجبنا من ذلك غاية العجب وحزنا على رفيقنا، وصرنا في غاية الخوف على أنفسنا وقلنا والله هذا أمر عجيب وكل موتة أشنع من السابقة، وكنا فرحنا بسلامتنا من الأسود فما تمت الفرحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله قد نجونا من الأسود ومن الغرق فكيف تكون نجاتنا من هذه الآفة المشؤومة ثم إننا قمنا فمشينا في الجزيرة وأكلنا من ثمرها وشربنا من أنهارها ولم نزل فيها إلى وقت المساء فوجدنا صخرة عظيمة عالية فطلعناها ونمنا فوقها وقد طلعت أنا على فروعها. فلما دخل الليل وأظلم الوقت جاء الثعبان وتلفت يميناً وشمالاً ثم إنه قصد تلك الشجرة التي نحن عليها، ومشى حتى وصل إلى رفيقي وبلعه حتى أكتافه والتف به على الشجرة فسمعت عظامه تتكسر في بطنه، ثم بلعه بتمامه وأنا أنظر بعيني، ثم إن الثعبان نزل من فوق الشجرة وراح إلى حال سبيله، ولم أزل على تلك الشجرة في تلك الليلة. فلما طلع النهار وبان النور ونزلت من فوق الشجرة وأنا مثل الميت من كثرة الخوف والفزع وأردت أن ألقي بنفسي في البحر وأستريح من الدنيا، فلم تهن علي روحي لأن الروح عزيزة، فربطت خشبة عريضة على أقدامي بالعرض وربطت واحدة مثلها على جنبي الشمال ومثلها على جنبي اليمين ومثلها على بطني، وربطت واحدة طويلة عريضة من فوق رأسي بالعرض مثل التي تحت أقدامي وصرت أنا في وسط هذا الخشب وهو محتاط بي من كل جانب وقد شددت ذلك شداً وثيقاً وألقيت نفسي بالجميع على الأرض، فصرت نائماً بين تلك الأخشاب وهي محيطة بي كالمقصورة. فلما أمسى الليل أقبل الثعبان على جري عادته، ونظر إلي وقصدني فلم يقدر أن يبلغني وأنا على تلك الحالة والأخشاب حولي من كل جانب، فدار الثعبان حولي فلم يستطع الوصول إلي وأنا أنظر بعيني وقد صرت كالميت من شدة الخوف والفزع وصار الثعبان يبعد عني ويعود إلي، ولم يزل على هذه الحالة وكلما أراد الوصول إلي ليبتلعني تمنعه تلك الأخشاب المشدودة علي من كل جانب ولم يزل كذلك من غروب الشمس إلى أن طلع الفجر وبان النور وأشرقت الشمس، فمضى الثعبان إلى حال سبيله وهو في غاية من القهر والغيظ. فعند ذلك مددت يدي وفككت نفسي من تلك الأخشاب وأنا في حكم الأموات من شدة ماقاسيت من ذلك الثعبان، ثم إني قمت ومشيت في الجزيرة حتى انتهيت إلى آخرها، فلاحت لي مني التفاتة إلى ناحية البحر فرأيت مركباً على بعد في وسط اللجة، فأخذت فرعاً كبيراً من شجرة ولوحت به إلى ناحيتهم وأنا أصيح عليهم. فلما رأوني قالوا لابد أن ننظر ما يكون هذا لعله إنسان، إنهم قربوا مني وسمعوا صياحي عليهم فجاءوا إلي وأخذوني معهم في المركب وسألوني عن حالي، فأخبرتهم بجميع ما جرى لي من أوله إلى آخره وما قاسيته من الشدائد فتعجبوا من ذلك غاية العجب، ثم إنهم ألبسوني من عندهم ثياباً وستروا عورتي. وبعد ذلك قدموا لي شيئاً من الزاد حتى اكتفيت وسقوني ماء بارداً عذباً فانتعش قلبي وارتاحت نفسي وحصل لي راحة عظيمة وأحياني الله تعالى بعد موتي فحمدت الله تعالى على نعمه الوافرة وشكرته وقويت همتي بعدما كنت أيقنت بالهلاك حتى تخيل لي أن جميع ما أنا فيه منام، ولم نزل سائرين وقد طاب لنا الريح بإذن الله تعالى إلى أن أشرفنا على جزيرة يقال لها جزيرة السلاهطة فأوقف الريس المركب عليها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
السابقةصفحة 23 من 116
التالية