ألف ليلة وليلة — السندباد البحري

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

== وفي الليلة الواحدة والثلاثين بعد الخمسمائة == قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحمال لما ترك حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء خرج عليه من ذلك الباب نسيم عليل ورائحة زكية فاستلذ الحمال لذلك وجلس على جانب المصطبة فسمع في ذلك المكان نغم العود وأصوات مطربة وأنواع إنشاد معربة وسمع أيضاً أصوات طيور تناغي فتسبح الله تعالى باختلاف الأصوات وسائر اللغات من قماري وهزار وشحارير وبلابل وفاخت وكروان. فعند ذلك تعجب من نفسه وطرب طرباً شديداً فتقدم إلى ذلك فوجد داخل البيت بستاناً عظيماً. ونظر فيه غلمانا وعبيدا وخدامة وشيئاً لا يوجد إلا عند الملوك والسلاطين وبعد ذلك هبت عليه رائحة أطعمة طيبة زكية من جميع الألوان المختلفة والشراب الطيب فرفع طرفه إلى السماء وقال: سبحانك يا رب يا خالق يا رزاق ترزق من تشاء بغير حساب اللهم إني أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك من العيوب يا رب لا أعترض عليك في حكمك وقدرتك فإنك لا تسأل عما تفعل وأنت على كل شيء قدير سبحانك تغني من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء لا إله إلا أنت ما أعظم شأنك وما أقوى سلطانك وما أحسن تدبيرك قد أنعمت على من تشاء من عبادك فهذا المكان صاحبه في غاية النعمة وهو متلذذ بالروائح اللطيفة والمآكل اللذيذه والمشارب الفاخرة في سائر الصفات وقد حكمت في خلقك بما تريد وما قدرته عليهم فمنهم تعبان ومنهم مستريح ومنهم سعيد ومنهم من هو مثلي في غاية التعب والذل وأنشد يقول: فكم من شقي بلا راحةينعم في خير فيء وظل وأصبحت في تعب زائدوأمري عجيب وقد زاد حملي وغيري سعيد بلا شقوةوما حمل الدهر يوماً كحملي وكل الخلائق من نطفةأنا مثل هذا وهذا كمثلي ولكن شتان ما بينناوشتان بين خمر وخل ولست أقول عليك افتراءفأنت حكيم حكمت بعدل فلما فرغ السندباد الحمال من شعره ونظمه أراد أن يحمل حملته ويسير إذ قد طلع عليه من ذلك الباب غلام صغير السن جميل الوجه مليح القد فاخر الملابس فقبض يد الحمال وقال له: ادخل لتكلم سيدي فإنه يدعوك فلم يرد الحمال الدخول مع الغلام فلم يقدر على ذلك فترك حملته عند الباب في وسط المكان ودخل مع الغلام داخل الدار فوجد داراً واسعة وعليها أنس ووقار ونظر إلى مجلس عظيم فنظر فيه من السادات الكرام فرأى من جميع أصناف الزهر وجميع أصناف المشموم ومن أنواع النقل والفواكه و كثير من أصناف الأطعمة النفيسة وفيه مشروب من خواص دوالي الكروم وفيه آلات الطرب من أصناف الجواري الحسان كل منهن في مرتبته على حسب الترتيب. وفي صدر ذلك المجلس رجل عظيم محترم قد بدأه الشيب في عوارضه وهو مليح الصورة حسن المنظر وعليه هيبة ووقار وعز وافتخار فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه: والله إن هذا المكان من بقع الجنان أو أنه يكون قصر ملك أو سلطان ثم تأدب وسلم عليهم ..... .. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
السابقةصفحة 59 من 116
التالية