وقد نشر الريس قلاع المركب وسافر بالذين طلع بهم في المركب ولم يلتفت لمن غرق منهم ومازلت أنظر إلى ذلك المركب حتى خفي عن عيني وأيقنت بالهلاك ودخل علي الليل وأنا على هذه الحالة فمكثت على ما أنا فيه يوماً وليلة وقد ساعدني الريح والأمواج إلى أن رست بي تحت جزيرة عالية وفيها أشجار مطلة على البحر فمسكت فرعاً من شجرة عالية وتعلقت به بعدما أشرفت على الهلاك وتمسكت به إلى أن طلعت إلى الجزيرة، فوجدت في رجلي خدلاً وأثر أكل السمك في بطونهما، ولم أشعر بذلك من شدة ما كنت فيه من الكرب والتعب وقد ارتميت في الجزيرة وأنا مثل الميت وغبت عن وجودي وغرقت في دهشتي ولم أزل على هذه الحالة إلى ثاني يوم. وقد طلعت الشمس علي وانتبهت في الجزيرة فوجدت رجلي قد ورمتا، فسرت حزيناً على ما أنا فيه، فتارة أزحف وتارة أحبو على ركبي وكان في الجزيرة فواكه كثيرة وعيون ماء عذب، فصرت آكل من تلك الفواكه . ولم أزل على هذه الحالة مدة أيام وليال فانتعشت نفسي وردت لي روحي وقويت حركتي وصرت أتفكر وأمشي في جانب الجزيرة وأتفرج بين الأشجار مما خلق الله تعالى. وقد عملت لي عكازاً من تلك الأشجار أتوكأ عليه، ولم أزل على هذه الحالة إلى أن تمشيت يوماً من الأيام في جانب الجزيرة، فلاح لي شبح من بعيد فظننت أنه وحش أو أنه دابة من دواب البحر، فتمشيت إلى نحوه ولم أزل أتفرج عليه وإذا هو فرس عظيم المنظر مربوط في جانب الجزيرة على شاطئ البحر فدنوت منه فصرخ علي صرخة عظيمة فارتعبت منه وأردت أن أرجع وإذا برجل خرج من تحت الأرض وصاح علي واتبعني وقال لي: من أنت ومن أين جئت وما سبب وصولك إلى هذا المكان؟ فقلت له: يا سيدي اعلم أني رجل غريب وكنت في مركب وغرقت أنا وبعض من كان فيها، فرزقني الله بقطعة خشب فركبتها وعامت بي إلى أن رمتني الأمواج في هذه الجزيرة.