ثم قمت على حيلي ومشيت بين تلك الأشجار ساقية على عين ماء جارية وعند تلك الساقية شيخ جالس مليح وذلك الشيخ مؤتزر بإزار من ورق الأشجار فقلت في نفسي لعل هذا الشيخ طلع إلى هذه الجزيرة وهو من الغرقى الذين كسر بهم المركب ثم دنوت منه وسلمت عليه فرد الشيخ علي السلام بالإشارة ولم يتكلم فقلت له يا شيخ ما سبب جلوسك في هذا المكان فحرك رأسه وتأسف وأشار لي بيده يعني احملني على رقبتك وانقلني من هذا المكان إلى جانب الساقية الثانية فقلت في نفسي اعمل مع هذا معروفاً وأنقله إلى المكان الذي يريده لعل ثوابه يحصل لي فتقدمت إليه وحملته على أكتافي وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه وقلت له انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافي وقد لف رجليه على رقبتي فنظرت إلى رجليه فرأيتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة ففزعت منه وأردت أن أرميه من فوق أكتافي فقرط على رقبتي برجليه وخنقني بهما حتى اسودت الدنيا في وجهي وغبت عن وجودي ووقعت على الأرض مغشياً علي مثل الميت فرفع ساقيه وضربني على ظهري وعلى أكتافي فحصل لي ألم شديد فنهضت قائماً به وهو راكب فوق أكتافي وقد تعبت منه فأشار لي بيده أن ادخل بين الأشجار فدخلت إلى أطيب الفواكه وكنت إذا خالفته يضربني برجليه ضرباً أشد من ضرب الأسواط. ولم يزل يشير إلي بيده إلى كل مكان أراده وأنا أمشي به إليه وإن توانيت أو تمهلت يضربني وأنا معه شبه الأسير وقد دخلنا في وسط الجزيرة بين الأشجار وصار يبول ويغوط على أكتافي ولا ينزل ليلاً ولا نهاراً وإذا أراد النوم يلف رجليه على رقبتي وينام قليلاً ثم يقوم ويضربني فأقوم مسرعاً به ولا أستطيع مخالفته من شدة ما أقاسي منه وقد لمت نفسي على ما كان مني من حمله والشفقة عليه. ولم أزل معه على هذه الحالة وأنا في أشد ما يكون من التعب وقلت في نفسي أنا فعلت مع هذا خيراً فانقلب علي شراً والله ما بقيت أفعل مع أحد خيراً طول عمري وقد صرت أتمنى الموت من الله تعالى في كل وقت وكل ساعة من كثرة ما أنا فيه من التعب والمشقة. ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت به يوماً من الأيام إلى مكان في الجزيرة فوجدت فيه يقطيناً كثيراً ومنه شيء يابس فأخذت منه واحدة كبيرة يابسة وفتحت رأسها وصفيتها إلى شجرة العنب فملأتها منها وسددت رأسها ووضعتها في الشمس وتركتها مدة أيام
الصفحة : 905