ثم أخذوني معهم في المركب وقد سرنا أياماً وليالي فرمتنا المقادير على مدينة عالية البناء جميع بيوتها مطلة على البحر وتلك المدينة يقال لها مدينة القرود وإذا دخل الليل يأتي الناس الذين هم ساكنون في تلك المدينة فيخرجون من هذه الأبواب التي على البحر ثم ينزلون في زوارق ومراكب ويبيتون في البحر خوفاً من القرود أن ينزلوا عليهم في الليل من الجبال فطلعت أتفرج في تلك المدينة فسافر المركب ولم أعلم فندمت على طلوعي إلى تلك المدينة وتذكرت رفقتي وما جرى لي مع القرود أولاً وثانياً فقعدت أبكي وأنا حزين. فتقدم إلي رجل من أصحاب هذه البلد. وقال يا سيدي كأنك غريب في هذه الديار فقلت نعم أنا غريب ومسكين وكنت في مركب قد رسى على تلك المدينة فطلعت منه لأتفرج في المدينة وعدت إليه فلم أره. فقال قم وسر معنا انزل الزورق فإنك إن قعدت في المدينة ليلاً أهلكتك القرود فقلت له سمعاً وطاعة وقمت من وقتي وساعتي ونزلت معهم في الزورق فلما أصبح الصباح رجعوا بالزورق إلى المدينة وطلعوا وراح كل واحد منهم إلى شغله ولم تزل هذه عادتهم كل ليلة وكل مت تخلف منهم في المدينة بالليل جاء إليه القرود وأهلكوه وفي النهار تطلع القرود إلى خارج المدينة فيأكلون من أثمار البساتين ويرقدون في الجبال إلى وقت المساء ثم يعودون إلى المدينة وهذه المدينة في أقصى بلاد السودان ومن أعجب ما وقع لي من أهل هذه المدينة أن شخصاً من الجماعة الذين بت معهم في الزورق قال لي يا سيدي أنت غريب في هذه الديار فهل لك صنعة تشتغل فيها فقلت لا والله يا أخي ليس لي صنعة ولست أعرف عمل شيء وأنا رجل تاجر صاحب مال ونوال وكان لي مركب ملكي مشحوناً بأموال كثيرة وبضائع فكسر في البحر وغرق جميع ما كان فيه وما نجوت من الغرق إلا بإذن الله فرزقني الله بقطعة لوح ركبتها فكانت السبب في نجاتي من الغرق فعند ذلك قام الرجل وأحضر لي مخلاة من قطن وقال لي خذ هذه المخلاة واملأها حجارة زلط من هذه المدينة واخرج مع جماعة من أهل المدينة وأنا أرافقك به وأوصيهم عليك وافعل كما يفعلون فلعلك أن تعمل بشيء تستعين به على سفرك وعودتك إلى بلادك. ثم إن ذلك الرجل أخذني وأخرجني إلى خارج المدينة فنقيت حجارة صغيرة من الزلط وملأت تلك المخلاة وإذا بجماعة خارجين من المدينة فأرفقني بهم وأوصاهم علي وقال لهم هذا رجل غريب فخذوه معكم وعلموه اللقط فلعله يعمل بشيء يتقوت به ويبقى لكم الأجر والثواب فقالوا
الصفحة : 907