وأنا كلما اشق على جانب البحر، اسأل التجار والمسافرين والبحريين عن ناحية مدينة بغداد لعل أحداً يخبرني عنها فأروح معه إليها وأعود إلى بلادي فلم يعرفها أحد ولم يعرف من يروح إليها، وقد تحيرت في ذلك وسئمت من طول الغربة، ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت يوماً من الأيام ودخلت على الملك المهرجان فوجدت عنده جماعة من الهنود، فسلمت عليهم فردوا علي السلام ورحبوا بي، وقد سألوني عن بلادي فذكرتها لهم وسألتهم عن بلادهم ذركوا لي أنهم أجناس مختلفة فمنهم الشاركية وهم أشرف أجناسهم لا يظلمون أحداً ولا يقهرونه.
ومنهم جماعة تسمى البراهمة وهم قوم لا يشربون الخمر أبداً، وإنما هم أصحاب حظ وصفاء ولهو وطرب وجمال وخيول ومواشي، وأعلموني أن صنف الهنود يفترق على اثنين وسبعين فرقة فتعجبت من ذلك غاية العجب.
ورأيت في مملكة المهرجان جزيرة من جملة الجزائر، يقال لها كابل يسمع فيها ضرب الدفوف والطبول طول الليل، وقد أخبرنا أصحاب الجزائر والمسافرين أنهم أصحاب الجد والرأي. ورأيت في البحر سمكة طولها مائتا ذراع ورأيت أيضاً سمكاً وجهه مثل وجه البوم ورأيت في تلك السفرة كثيراً من العجائب والغرائب مما لو حكيته لكم لطال شرحه ولم أزل أتفرج على تلك الجزائر وما فيها، إلى أن وقفت يوماً من الأيام على جانب البحر وفي يدي عكاز حسب عاداتي وإذا بمركب قد أقبل وفيه تجار كثيرون.
فلما وصل إلى ميناء المدينة وفرضته، وطوى الريس قلوعه وأرسله على البر ومد السقالة واطلع البحرية جميع ما كان في ذلك المركب إلى البر، وأبطأوا في تطليعه وأنا واقف أكتب عليهم، فقلت لصاحب المركب هل بقي في مركبك شيء فقال نعم يا سيدي معي بضائع في بطن المركب ولكن صاحبها غرق معنا في البحر في بعض الجزائر ونحن قادمون في البحر، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.