ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله سبحانه و تعالى و الوقوف عند محبته و العمل بشريعته و سنته و بإقامة دينه و كتابه و اجتنب ما فارق ذلك و خالفه و دعا إلى سخط الله عز و جل و اعرف ما يجمع عمالك من الأموال و ما ينفقون منها و لا تجمع حراماً و لا تنفق إسرافاً.
و أكثر مجالسة العلماء و مشاورتهم و مخالطتهم و ليكن هواك اتباع السنن و إقامتها و إيثار مكارم الأخلاق و معاليها و ليكن أكرم دخلائك و خاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سرك و إعلانك بما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك و مظاهرون لك.
و انظر عمالك الذين بحضرتك و كتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه عليك بكتبه و مؤامراته و ما عنده من حوائج عمالك و أمور الدولة و رعيتك ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك و بصرك و فهمك و عقلك و كرر النظر فيه و التدبر له فما كان موافقاً للحق و الحزم فأمضه و استخر الله عز و جل فيه و ما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه و التثبت منه و لا تمنن على رعيتك و لا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم.
و لا تقبل من أحد إلا الوفاء و الاستقامة و العون في أمور أمير المسلمين و لا تضعن المعروف إلا على ذلك.
و تفهم كتابي إليك و انعم النظر فيه و العمل به و استعن بالله على جميع أمورك و استخره فإن الله عز و جل مع الصلاح و أهله و ليكن أعظم سيرتك و أفضل رغبتك ما كان لله عز و جل رضى و لدينه نظاماً و لأهله عزاً و تمكيناً و للملة و الذمة عدلاً و صلاحاً و أنا أسأل الله أن يحسن عونك و توفيقك و رشدك و كلاءتك و السلام.
و حدث الإخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر و شاع أمره أعجب به الناس و اتصل بالمأمون فلما قرئ عليه قال ما أبقى أبو الطيب يعني طاهراً شيئاً من أمور الدنيا والدين و التدبير و الرأي و السياسة و صلاح الملك و الرعية و حفظ السلطان و طاعة الخلفاء و تقويم الخلافة إلا و قد أحكمه و أوصى به ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا به و يعملوا بما فيه هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة و الله أعلم.