مقدمة ابن خلدون

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

و يدل هذا القول من هذا الرجل على أنه مستبصر في أن الأمر لا يتم إلا بالعصبية المكافئة لأهل الوقت فلما علم أنه غريب في ذلك الوطن و لا شوكة له و أن عصبية بني مرين لذلك العهد لا يقاومها أحد من أهل المغرب استكان و رجع إلى الحق و أقصر عن مطامعه. و بقي عليه أن يستيقن أن عصبية الفواطم و قريش أجمع قد ذهبت لا سيما في المغرب إلا أن التعصب لشأنه لم يتركه لهذا القول و الله يعلم و أنتم لا تعلمون. و قد كانت بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى الحق و القيام بالسنة لا ينتحلون فيها دعوة فاطمي و لا غيره و إنما ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة و تغيير المنكر و يعتني بذلك و يكثر تابعه و أكثر ما يعنون بإصلاح السابلة لما أن أكثر فساد الأعراب فيها لما قدمناه من طبيعة معاشهم فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا إلا أن الصبغة الدينية فيهم لم تستحكم لما أن توبة العرب و رجوعهم إلى الدين إنما يقصدون بها الإقصار عن الغارة و النهب لا يعقلون في توبتهم و إقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك لأنها المعصية التي كانوا عليها قبل المقربة و منها توبتهم. فتجد ذلك المنتحل للدعوة و القائم بزعمه بالسنة غير متعمقين في فروع الاقتداء و الاتباع إنما دينهم الإعراض عن النهب و البغي و إفساد السابلة ثم الإقبال على طلب الدنيا و المعاش بأقصى جهدهم. و شتان بين طلب هذا الأجر من إصلاح الخلق و من طلب الدنيا فاتفاقهما ممتنع لا تستحكم له صبغة في الدين و لا يكمل له نزوع عن الباطل على الجملة و لا يكثرون.
السابقةصفحة 36 من 154
التالية