مقدمة ابن خلدون

متاح للقراءة — ملك عام
عن هذا الكتاب

و اعتصم بالشكر و عليه فاعتمد يزدك الله خيراً و إحساناً فإن الله عز و جل يثيب بقدر شكر الشاكرين و إحسان المحسنين. و لا تحقرن ذنباً و لا تمالئن حاسداً و لا ترحمن فاجراً و لا تصلن كفوراً و لا تداهنن عدواً و لا تصدقن نماماً و لا تأمنن غداراً و لا توالين فاسقاً و لا تتبعن غاوياً و لا تحمدن مرائياً و لا تحقرن إنساناً و لا تردن سائلاً فقيراً و لا تحسنن باطلاً و لا تلاحظن مضحكاً و لا تخلفن وعداً و لا تزهون فخراً و لا تظهرن غضباً و لا تباينن رجاءً و لا تمشين مرحاً و لا تفرطن في طلب الآخرة و لا ترفع للنمام عيناً و لا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباةً و لا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا. و أكثر مشاورة الفقهاء و استعمل نفسك بالحلم و خذ عن أهل التجارب و ذوي العقل و الرأي و الحكمة. و لا تدخلن في مشورتك أهل الرفه و البخل و لا تسمعن لهم قولاً فإن ضررهم أكثر من نفعهم و ليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح. و اعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية و إذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلاً فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم و ترك الجور عليهم. و ابتدئ من صافاك من أوليائك بالإفصال عليهم و حسن العطية لهم. و اجتنب الشح و اعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه و إن العاصي بمنزلة خزي و هو قول الله عز و جل و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فسهل طريق الجود بالحق و اجعل للمسلمين كلهم من فيئك، حظاً و نصيباً و أيقن أن الجود أفضل أعمال العباد فأعده لنفسك خلقاً و ارض به عملاً و مذهباً. و تفقد الجند في دواوينهم و مكانتهم و أدر عليهم أرزاقهم و و وسع عليهم في معايشهم يذهب الله عز و جل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم و تزيد قلوبهم في طاعتك و أمرك خلوصاً و انشراحاً. و حسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده و رعيته ذا رحمة في عدله و حيطته و إنصافه و عنايته و شفقته و بره و توسعته فزايل مكروه أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر و لزوم العمل به تلق إن شاء الله تعالى نجاحاً و صلاحاً و فلاحاً.
السابقةصفحة 7 من 154
التالية