== الفصل الأول في حقيقة الرزق و الكسب و شرحهما و أن الكسب هو قيمة الأعمال ا لبشرية ==
إعلم أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته و يمونة في حالاته و أطواره من لدن نشوءه إلى أشده إلى كبره و الله الغني و أنتم الفقراء و الله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان و امتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال: خلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه و سخر لكم البحر و سخر لكم الفلك و سخر لكم الأنعام.
و كثير من شواهده.
و يد الإنسان مبسوطة على العالم و ما فيه بما جعل الله له من الاستخلاف.
و أيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك.
و ما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض.
فالإنسان متى اقتدر على نفسه و تجاوز طور الضعف سعى في اقتناء المكسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته و ضروراته بدفع الأعواض عنها.
قال الله تعالى: فابتغوا عند الله الرزق و قد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة و أمثاله.
إلا أنها إنما تكون معينة و لا بد من سعيه معها كما يأتي فتكون له.
تلك المكاسب معاشاً إن كانتا بمقدار الضرورة و الحاجة و رياشاً و متمولاً إن زادت على ذلك.
ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد و حصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه و حاجاته سمي ذلك رزقاً.
قال صلى الله عليه و سلم: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت و إن لم ينتفع به في شيء من مصالحه و لا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقاً و المتملك منه حينئذ بسعي العبد و قدرته يسمى كسباً.
و هذا مثل التراث فإنه يسمى بالنسبة إلى المالك كسباً و لا يسمى رزقاً إذ لم يحصل به منتفع و بالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمى رزقاً.
هذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة و قد اشترط المعتزل في تسميته رزقاً إن يكون بحيث يصح تملكه و ما لا يتملك عندهم لا يسمى رزقاً و أخرجوا الغصوبات و الحرام كله عن أن يسمى شيء منها رزقاً و الله تعالى يرزق الغاصب و الظالم و المؤمن و الكافر برحمته و هدايته من يشاء.
و لهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها.