ثم إن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع و لما جعل لهم من الاختيار و أن أفعالهم إنما تصدر بالفكر و الروية لا بالطبع. و قد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها فلا بد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع. و هذا معنى قوله تعالى و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً و رحمة ربك خير مما يجمعون فقد تبين أن الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرف في من تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن و المنع و التسلط بالقهر و الغلبة ليحملهم على دفع مضارهم و جلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع و السياسة و على أغراضه فيما سوى ذلك و لكن الأول مقصود في العناية الربانية بالذات و الثاني داخل فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الإلهي، لأنه قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت الخير بذلك بل يقع على ما ينطوي عليه من الشر اليسير. و هذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم.