The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و أما شأن الإلهام فلا ينكر. و إذا كانت الحيوانات العجم تختص بغرائب الإلهامات كالنحل و غيرها فما ظنك بالإنسان المفضل عليها. و خصوصاً بمن اختص بكرامة الله. ثم الإلهام العام للمولودين في الإقبال على الثدي أوضح شاهد على وجوب الإلهام العام لهم. فشأن العناية الإلهية أعظم من أن يحاط به. و من هنا يفهم بطلان رأي الفارابي و حكماء الأندلس فيما احتجوا به لعدم انقراض الالواح و استحالة انقطاع المكونات. و خصوصاً في النوع الإنساني، و قالوا: لو انقطعت أشخاصه لاستحال وجودها بعد ذلك لتوقفه على وجود هذه الصناعة التي لا يتم كون الإنسان إلا بها. إذ لو قدرنا مولوداً دون هذه الصناعة و كفالتها إلى حين الفصال لم يتم بقاؤه أصلاً. و وجود الصنائع دون الفكر ممتنع لأنها ثمرته و تابعة له. و تكلف ابن سينا في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه و ذهابه إلى إمكان انقطاع الأنواع و خراب عالم التكوين ثم عوده ثانياً لاقتضاءات فلكية و أوضاع غريبة تنذر في الأحقاب بزعمه فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه بحرارة مناسبة فيتم كونه إنساناً ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهاماً لتربيته و الحنو عليه إلى أن يتم وجوده و فصاله. و أطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقظان. و هذا الاستدلال غير صحيح و إن كنا نوافقه على انقطاع الأنواع لكن من غير ما استدل به. فإن دليله مبني على إسناد الأفعال إلى العلة الموجبة. و دليل القول بالفاعل المختار يرد عليه و لا واسطة على القول بالفاعل المختار بين الأفعال و القدرة القديمة و لا حاجة إلى هذا التكلف. ثم لو سلمناه جدلاً فغاية ما ينبني عليه اطراد وجوب هذا الشخص بخلق الإلهام لترتيبه في الحيوان الأعجم. و ما الضرورة الداعية لذلك ؟ و إذا كان الإلهام يخلق في الحيوان الأعجم فما المانع من خلقه للمولود نفسه كما قررناه أولاً. و خلق الإلهام في شخص لمصالح نفسه أقرب من خلقه فيه لمصالح غيره فكلا المذهبين شاهدان على أنفسهما بالبطلان في مناحيهما لما قررته لك و الله تعالى أعلم.
PreviousPage 144 of 154
Next