فالمصر إذا فضل بعمران واحد ففضله بزيادة كسب و رفه بعوائد من الترف لا توجد في الآخر فما كان عمرانه من الأمصار أكثر و أوفر كان حال أهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه على وتيرة واحدة في الأصناف.
القاضي مع القاضي و التاجر مع التاجر و الصانع مع الصانع و السوقي مع السوقي و الأمير مع الأمير و الشرطي مع الشرطي.
و اعتبر ذلك في المغرب مثلاً بحال فاس مع غيرها من أمصاره مثل بجاية و تلمسان و سبتة تجد بينهما بوناً كثيراً على الجملة،
ثم على الخصوصيات فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلمسان و هكذا كل صنف مع صنف أهله.
و كذا أيضاً حال تلمسان مع وهران أو الجزائر و حال وهران و الجزائر مع ما دونهما إلى أن تنتهي إلى المدر الذين اعتمالهم في ضروريات معاشهم فقط و يقصرون عنها.
و ما ذلك إلا لتفاوت الأعمال فيها فكأنها كلها أسواق للأعمال.
و الخرج في كل سوق على نسبته فالقاضي بفاس دخله كفاء خرجه و كذا القاضي بتلمسان و حيث الدخل و الخرج أكثر تكون الأحوال أعظم و هما بفاس أكثر لنفاق سوق الأعمال بما يدعو إليه الترف فالأحوال أضخم.
ثم هكذا حال وهران و قسطنطينية و الجزائر و بسكرة حتى تنتهي كما قلناه إلى الأمصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها و لا تعد في الأمصار إذ هي من قبيل القرى و المدر. فلذلك تجد أهل هذه الأمصار الصغيرة ضعفاء الأحوال متقاربين في الفقر و الخصاصة لما أن أعمالهم لا تفي بضروراتهم و لا يفضل ما يتأثلونه كسباً فلا تنمو مكاسبهم. و هم لذلك مساكين محاويج إلا في الأقل النادر.