The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

إما بواسطة اختلاط الأنساب كما في الزنا، فيجهل كل واحد ابنه، إذ هو لغير رشدة، لأن المياه مختلطة في الأرحام، فتفقد الشفقة الطبيعية على البنين و القيام عليهم فيهلكون، و يؤدي ذلك إلى انقطاع النوع، أو يكون فساد النوع بغير واسطة، كما في اللواط المؤدي إلى عدم النسل رأساً و هو أشد في فساد النوع. و الزنا يؤدي إلى عدم ما يوجد منه. و لذلك كان مذهب مالك رحمه الله في اللواط أظهر من مذهب غيره، و دل على أنه أبصر بمقاصد الشريعة واعتبارها للمصالح. فافهم ذلك و اعتبر به أن غاية العمران هي الحضارة و الترف و أنه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد و أخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات. بل نقول إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة و الترف هي عين الفساد لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه و دفع مضاره و استقامة خلقه للسعي في ذلك. و الحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته أما عجزاً لما حصل له من الدعة أو ترفاً لما حصل من المربي في النعيم و الترف و كلا الأمرين ذميم. و كذلك لا يقدر على دفع المضار و استقامة خلقه للسعي في ذلك. و الحضري بما قد فقد من خلق الإنسان بالترف و النعيم في قهر التأديب و التعلم فهو بذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه. ثم هو فاسد أيضاً غالباً بما فسدت منه العوائد و طاعتها في ما تلونت به النفس من مكانتها كما قررناه إلا في الأقل النادر. و إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه و دينه فقد فسدت إنسانيته و صار مسخاً على الحقيقة. و بهذا الاعتبار كان الذين يتقربون من جند السلطان إلى البداوة و الخشونة أنفع من الذين يتربون على الحضارة و خلقها. موجودون في كل دولة. فقد تبين أن الحضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران و الدولة و الله سبحانه و تعالى كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن.
PreviousPage 93 of 154
Next