فبينما نحن كذلك وإذا بامرأة جاءت وقعدت بجانبي وعليها عصابة مائلة وتفوح منها روائح الطيب فسابت عقلي بحسنها وجمالها، ورفعت الأزرار فنظر إلي بأحداق سود ثم سلمت على بدر الدين فرد عليها السلام ووقف وتحدث معها فلما سمعت كلامها تمكن حبها من قلبي فقالت لبدر الدين: هل عندك تفصيلة من القماش المنسوج من خالص الذهب، فأخرج لها تفصيلة فقالت للتاجر: هل آخذها وأذهب ثم أرسل إليك ثمنها؟ فقال لها التاجر: لا يمكن يا سيدتي لأن هذا صاحب القماش وله علي قسط فقالت: ويلك إن عادتي أن آخذ منك كل قطعة قماش بجملة دراهم وأربحك فيها فوق ما تريد ثم أرسل إليك ثمنها فقال: نعم ولكني مضطر إلى الثمن في هذا اليوم فأخذت التفصيلة ورمته بها في صدره وقالت: إن طائفتكم لا تعرف لأحد قدراً ثم قامت مولية فظننت أن روحي راحت معها، فقمت ووقفت وقلت لها: يا سيدتي تصدقي علي بالالتفات وارجعي بخطواتك الكريمة فرجعت وتبسمت وقالت: لأجلك رجعت وقعدت قصادي على الدكان فقلت لبدر الدين: هذه التفصيلة كم ثمنها عليك؟ قال: ألف ومائة درهم فقلت له: ولك مائة درهم فائدة، فهات ورقة فاكتب لك فيها ثمنها.
فأخذت التفصيلة منه وكتبت له ورقة بخطي وأعطيتها التفصيلة وقلت لها: خذي أنت وروحي وإن شئت هاتي ثمنها لي في السوق، وإن شئت هي ضيافتك مني فقال: جزاك الله خيراً ورزقك مالي وجعلك بعلي، فتقبل الله الدعوة وقلت لها: يا سيدتي اجعلي هذه التفصيلة لك ولك أيضاً مثلها ودعيني أنظر وجهك.
فكشفت القناع عن وجهها فلما نظرت وجهها أعقبتني ألف حسرة وتعلق قلبي بمحبتها فصرت لا أملك عقلي ثم رخت القناع وأخذت التفصيلة وقالت: يا سيدي لا توحشني وقد ولت وقعدت في السوق إلى بعد العصر وأنا غائب العقل وقد تحكم الحب عندي، فمن شدة ما حصل لي من الحب سألت التاجر عنها حين أردت القيام فقال: إن هذه صاحبة مال وهي بنت أمير مات والدها وخلف لها مالاً كثيراً.