The Epistle of Forgiveness

Free to read — public domain
About this book

وتقول حيّةٌ أخرى: إنّي كنت أسكن في دار الحسن البصريِّ فيتلو القرآن ليلاً، فتلقَّيت منه الكتاب من أوَّله إلى آخره. فيقول، لا زال الرُّشد قريناً لمحلِّه: فكيف سمعته يقرأ: فالق الإصباح؟ فإنَّه يروى عنه بفتح الهمزة كأنّه جمع صبحٍ، وكذلك: بالعشيِّ والإبكار كأنّه جمع بكرٍ، من قولهم: لقيته بكراً، وإذا قلنا: إنَّ أنعماً وأشدّاً جمع نعمة بكرةٍ، على طرح الهاء، فيجوز أن تكون الأبكار جمع بكرةٍ، فتكون على قولنا: بكرٌ وأبكارٌ، كما يقال جندٌ وأجناد. فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهةً من الدَّهر، فلمّا توفَّي، رحمه الله، انتقلت إلى جدارٍ في دار أبي عمرو بن العلاء، فسمعته يقرأ، فرغبت عن حروفٍ من قراءة الحسن كهذين الحرفين، وكقوله: الأنجيل، بفتح الهمزة. فلمَّا توفِّي أبو عمرو كرهت المقام، فانتقلت إلى الكوفة، فأقمت في جوار حمزة بن حبيبٍ، فسمعته يقرأ بأشياء ينكره عليه أصحاب العربيَّة، كخفض الأرحام في قوله تعالى: " واتَّقوا الله الذّي تساءلون به والأرحام " وكسر الياء في قوله تعالى: " وما أنتم بمصرخيّ " وكذلك سكون الهمزة في قوله تعالى: " استكباراً في الأرض ومكر السّيء " وهذا إغلاقٌ لباب العربيَّة، لأنَّ الفرقان ليس بموضع ضرورةٍ، وإنّما حُكي مثل هذا في المنظوم. وقد روي أنَّ امرأ القيس قال: وبعضهم يروي: فاليوم أسقى، وإذا روي: فاليوم أشرب، فيجوز أن يكون ثمَّ إشارةٌ إلى الضمَّ لا حكم لها في الوزن، فقد زعم سيبويه أنَّهم يفعلون ذلك في قول الراجز: وهذا يدل على أنَّهم لم يكونوا يحفلون بطرح الإعراب، فأمّا قول الرَّاجز: فإنَّه من عجيب ما جاء، وقد بله قائله عن أن يقول: صاح قوِّم، فلا يكون بالوزن إخلالٌ، ولكنَّ الذين يحتجُّون له يزعمون أنَّه أراد أن يعادل بين الجزئين، لأنَّ قوله: حب قوِّم، في وزن قوله: نل عوَّم، وهذا يشبه ما ادَّعوه في قول الهذلي: يزعم النّحويُّون أنَّ قوله: معاري، بفتح الياء، حمله عليه كراهه الزِّحاف، وهذا قولٌ ينتقض، لأنَّ في هذه الطائيَّة أبياتاً كثيرةً لا تخلو من زحافٍ، وكلُّ قصيدةٍ للعرب وغيرها على هذا القريِّ. وكذلك قوله:
PreviousPage 66 of 69
Next