The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و لم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع و مضطلع غير موثوق و للناس في الترجيح بينهما مذهبان، و لكل من الترجيحين وجه. إلا أن المضطلع و لو كان غير موثوق أرجح لأنه يؤمن من تضييعه و يحاول على التحرز من خيانته جهد الاستطاعة و أما بعضهم نادرة أو غريبة من الأعمال السحرية يموه بها على تصديق ما بقي من دعواه و هو بمعزل عن السحر و طرقه فتولع كثير من ضعفاء العقول بجمع الأيدي على الاحتفار و التستر فيه بظلمات الليل مخافة الرقباء و عيون أهل الدول، فإذا لم يعثروا على شيء ردوا ذلك إلى الجهل بالطلسم الذي ختم به على ذلك المال يخادعون به أنفسهم عن إخفاق مطامعهم. و الذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة على ضعف العقل إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة و الفلح و الصناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة و على غير المجرى الطبيعي من هذا و أمثاله عجزاً عن السعي في المكاسب و ركوناً إلى تناول الرزق من غير تعب و لا نصب في تحصيله و اكتسابه و لا يعلمون أنهم يوقعون أنفسهم بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصب و متاعب و جهد شديد أشد من الأول و يعرضون أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات. و ربما يحمل على ذلك في الأكثر زيادة الترف و عوائده و خروجها عن حد النهاية حتى تقصر عنها وجوه الكسب و مذاهبه و لا تفي بمطالبها.
PreviousPage 108 of 154
Next