فلذلك قلنا إن الخضوع و التملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصل للسعادة و الكسب و إن أكثر أهل الثروة و السعادة بهذا التملق و لهذا نجد الكثير ممن يتخلق بالترفع و الشمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في التكسب على أعمالهم و يصيرون إلى الفقر و الخصاصة. و اعلم أن هذا الكبر و الترفع من الأخلاق المذمومة إنما يحصل من توهم الكمال و أن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحر في علمه و الكاتب المجيد في كتابته أو الشاعر البليغ في شعره و كل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده فيحدث له ترفع عليهم بذلك و كذا يتوهم أهل الأنساب ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبرون به بما رأوه أو سمعوه من رجال آبائهم في المدينة و يتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم و وراثتهم عنهم. فهم متمسكون في الحاضر بالأمر المعدوم و كذلك أهل الحيلة و البصر و التجارب بالأمور قد يتوهم بعضهم كمالاً في نفسه بذلك و احتياجاً إليه. و تجد هؤلاء الأصناف كلهم مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه و لا يتملقون لمن هو أعلى منهم و يستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس فيستنكف أحدهم عن الخضوع و لو كان للملك و يعده مذلة و هواناً و سفهاً.