The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

== الفصل الخامس و العشرون في صناعة البناء == هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري و أقدمها و هي معرفة العمل في اتخاذ البيوت و المنازل للكن و المأوى للأبدان في المدن. و ذلك أن الإنسان لما جبل عليها من الفكر في عواقب أحواله، لا بد أن يفكر فيما يدفع عنه الأذى من الحر و البرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف و الحيطان. من سائر جهاتها و البشر مختلف في هذه الجبلة الفكرية فمنهم المعتدلون فيها فيتخذون ذلك باعتدال أهالي الثاني و الثالث و الرابع و الخامس و السادس و أما أهل البدو فيبعدون عن اتخاذ ذلك لقصور أفكارهم عن إدراك الصنائع البشرية فيبادرون للغيران و الكهوف المعدة من غير علاج. ثم المعتدلون و المتخذون البيوت للمأوى قد يتكاثرون في البسيط الواحد بحيث يتناكرون و لا يتعارفون فيخشون طرق بعضهم بعضاً بياتاً فيحتاجون إلى حفظ مجتمعهم بإدارة ماء أو أسوار تحوطهم و يصير جميعاً مدينة واحدة و مصراً واحداً و يحوطهم الحكم من داخل يدفع بعضهم عن بعض و قد يحتاجون إلى الانتصاف و يتخذون المعاقل و الحصون لهم و لمن تحت أيديهم و هؤلاء مثل الملوك و من في معناهم من الأمراء و كبار القبائل. ثم تختلف أحوال البناء في المهن كل مدينة على ما يتعارفون و يصطلحون عليه و يناسب مزاج هوائهم و اختلاف أحوالهم في الغنى و الفقر. و كذا حال أهل المدينة الواحدة فمنهم من يتخذ القصور و البضائع العظيمة الساحة المشتملة على عدة الدور و البيوت و الغرف الكبيرة لكثرة ولده و حشمه و عياله و تابعه و يؤسس جدرانها بالحجارة و يلحم بينها بالكلس و يعالي عليها بالأصبغة و الجص و يبالغ في كل ذلك بالتنجيد و التنميق إظهاراً للبسطة بالعناية في شأن المأوى.
PreviousPage 135 of 154
Next