The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و أمثال ذلك. و يخفى جميع ذلك إلا على أهل البصر العارفين بالبناء و أحواله المستدلين عليها بالمعاقد و القمط و مراكز الخشب و ميل الحيطان و اعتدالها و قسم المساكن على نسبة أوضاعها. و منافعها و تسريب المياه في القنوات مجلوبة و مرفوعة بحيث لا تضر بما مرت عليه من البيوت و الحيطان و غير ذلك. فلهم بهذا كله البصر و الخبرة التي ليست لغيرهم. و هم مع ذلك يختلفون بالجودة و القصور في الأجيال باعتبار الدول و قوتها. فإنا قدمنا أن الصنائع و كمالها، إنما هو بكمال الحضارة و كثرتها بكثرة الطالب لها. فلذلك عندما تكون الدولة بدوية في أول أمرها تفتقر في أمر البناء إلى غير قطرها. كما وقع للوليد بن عبد الملك حين أجمع على بناء مسجد المدينة و القدس و مسجده بالشام. فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة المهرة في البناء فبعث إليه منهم من حصل له غرضه من تلك المساجد و قد يعرف صاحب هذه الصناعة أشياء من الهندسة مثل تسوية الحيطان بالوزن و إجراء المياه بأخذ الارتفاع و أمثال ذلك فيحتاج إلى البصر بشيء من مسائله. و كذلك في جر الأثقال بالهندام فإن الأجرام العظيمة إذا شيدت بالحجارة الكبيرة يعجز قدر الفعلة عن رقمها إلى مكانها من الحائط فيتحيل لذلك بمضاعفة قوة الحبل بإدخاله في المعالق من أثقاب مقدرة على نسب هندسية تصير الثقيل عند معاناة الرفع خفيفاً فيتم المراد من ذلك بغير كلفة و هذا إنما يتم بأصول هندسية معروفين متداولين بين البشر و بمثلها كان بناء الهياكل الماثلة لهذا العهد التي يحسب أنها من بناء الجاهلية. و أن أبدانهم كانت على نسبتها في العظم الجسماني و ليس كذلك و إنما تم لهم ذلك بالحيل الهندسية كما ذكرناه. فتفهم ذلك. و الله يخلق ما يشاء سبحانه.
PreviousPage 138 of 154
Next