و من صنائع البناء أيضاً أن تجلل الحيطان بالكلس بعد أن يحل بالماء و يخمر أسبوعاً أو أسبوعين على قدر ما يعتدل مزاجه عن إفراط النارية المفسدة للإلحام. فإذا تم له ما يرضاه من ذلك علاه من فوق الحائط و ذلك إلى أن يلتحم. و من صنائع البناء عمل السقف بأن يمد الخشب المحكمة النجارة أو الساذجة على حائطي البيت و من فوقها الألواح كذلك موصولة بالدسائر و يصب عليها التراب و الكلس و يبسط بالمراكز حتى تتداخل أجزاؤها و تلتحم و يعالى عليها الكلس كما يعالى على الحائط. و من صناعة البناء ما يرجع إلى التنميق و التزيين كما يصنع من فوق الحيطان الأشكال المجسمة من الجص يخمر بالماء ثم يرجع جسداً و فيه بقية البلل، فيشكل على التناسب تخريماً بمثاقب الحديد إلى أن يبقى له رونق و رؤاء. و ربما عولي على الحيطان أيضاً بقطع الرخام أو الآجر أو الخزف أو بالصدف أو السبج يفصل أجزاء متجانسة أو مختلفة و توضع في الكلس على نسب و أوضاع مقدرة عندهم يبدو به الحائط للعيان، كأنه قطع الرياض المنمنمة.
إلى غير ذلك من بناء الجباب و الصهاريج لسفح الماء بعد أن تعد في البيوت قصاع الرخام القوراء المحكمة الخرط بالفوهات في وسطها لنبع الماء الجاري إلى الصهريج يجلب إليه من خارج القنوات المفضية إلى البيوت و أمثال ذلك من أنواع البناء.
و تختلف الصناع في جميع ذلك باختلاف الحذق و البصر و يعظم عمران المدينة و يتسع فيكثرون.
و ربما يرجع الحكام إلى نظر هؤلاء فيما هم أبصر به من أحوال البناء.
و ذلك أن الناس في المدن لكثرة الازدحام و العمران يتشاحون حتى في الفضاء و الهواء الأعلى و الأسفل و من الانتفاع بظاهر البناء مما يتوقع معه حصول الضرر في الحيطان.
فيمنع جاره من ذلك إلا ما كان له فيه حق.
و يختلفون أيضاً في استحقاق الطرق و المنافذ للمياه الجارية و الفضلات المسربة في القنوات و ربما يدعي بعضهم حق بعض في حائطه أو علوه أو قناته لتضايق الجوار أو يدعي بعضهم على جاره اختلال حائطه خشية سقوطه و يحتاج إلى الحكم عليه بهدمه و دفع ضرر عن جاره عند من يراه أو يحتاج إلى قسمة دار أو عرضة بين شريكين بحيث لا يقع معها فساد في الدار و لا إهمال لمنفعتها.