The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و كل متعفن ففيه حرارة غريبة و تلك هي المسماة في بدن الإنسان بالحمى. و اختبر ذلك بالطعام إذا ترك حتى يتعفن و في الزبل إذا تعفن أيضاً، كيف تنبعث فيه الحرارة و تأخذ مأخذها. فهذا معنى الحميات في الأبدان و هي رأس الأمراض و أصلها كما وقع في الحديث. و هذه الحميات علاجها بقطع الغذاء عن المريض أسابيع معلومة ثم يتناول الأغذية الملائمة حتى يتم برؤه. و ذلك في حال الصحة له علاج في التحفظ من هذا المرض و غيره و أصله كما وقع في الحديث و قد يكون ذلك العفن في عضو مخصوص، فيتولد عنه مرض في ذلك العضو و يحدث جراحات في البدن، إما في الأعضاء الرئيسية أو في غيرها. و قد يمرض العضو و يحدث عنه مرض القوى الموجودة له. هذه كلها جماع الأمراض، و أصلها في الغالب من الأغذية و هذا كله مرفوع إلى الطبيب. و وقوع هذه الأمراض في أهل الحضر و الامصار أكثر. لخصب عيشهم و كثرة مآكلهم و قلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية و عدم توقيتهم لتناولها. و كثيراً ما يخلطون بالأغذية من التوابل و البقول و الفواكه، رصباً و يابساً في سبيل العلاج بالطبخ و لا يقتصرون في ذلك على نوع أو أنواع. فربما عددنا في اليوم ا الواحد من ألوان الطبخ أربعين نوعاً من النبات و الحيوان فيصير للغذاء مزاج غريب. و ربما يكون غريباً عن ملاءمة البدن و أجزائه. ثم إن الأهوية في الأمصار تفسد بمخالطة الأبخرة العفنة من كثرة الفصلات. و الأهوية فنشطة للأرواح و مقوية بنشاطها الأثر الحار الغريزي في الهضم. ثم الرياضة مفقودة لأهل الأمصار إذ هم في الغالب وادعون ساكنون لا تأخذ منهم الرياضة شيئاً و لا تؤثر فيهم أثراً، فكان وقوع الأمراض كثيراً في المدن و الأمصار و على قدر وقوعه كانت حاجتهم إلى هذه الصناعة. و أما أهل البدو فمأكولهم قليل في الغالب و الجوع أغلب عليهم لقلة الحبوب حتى صار لهم ذلك عادة. و ربما يظن أنها جبلة لاستمرارها. ثم الأدم قليلة لديهم أو مفقودة بالجملة.
PreviousPage 147 of 154
Next