== الفصل الثاني والخمسون في أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره ==
اعلم أنه قد تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري و هو معنى العمران الذي نتكلم فيه و أنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه و حكمه فيهم تارة يكون مستنداً إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب و العقاب عليه الذي جاء به مبلغه و تارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم.
فالأولى يحصل نفعها في الدنيا و الآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة و لمراعاته نجاة العباد في الآخرة و الثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط و ما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب و إنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه و خلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأساً و يسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاضلة،
و القوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية و ليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك و هذه kjkالمدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع و إنما يتكلمون علنها على جهة الفرض و التقدير ثم إن السياسة العقلية التي قدمناها تكون على وجهين أحدهما يراعى فيها المصالح على العموم و مصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص و هذه كانت سياسة الفرس و هي على جهة الحكمة.
و قد أغنانا الله تعالى عنها في الملة و لعهد الخلافة لأن الأحكام الشرعية مغنية عنها في المصالح العامة و الخاصة و أحكام الملك مندرجة فيها.
الوجه الثاني أن يراعى فيها مصلحة السلطان و كيف يستقيم له الملك مع القهر و الاستطالة و تكون المصالح العامة في هذه تبعاً و هذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم و غيره إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية و آداب خلقية و قوانين في الاجتماع طبيعية،