The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

== الفصل الرابع و الخمسون في ابتداء الدول و الأمم و في الكلام على الملاحم و الكشف عن مسمى الجفر == إعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوق إلى عواقب أمورهم و علم ما يحدث لهم من حياة و موت و خير و شر سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا و معرفة مدد الدول أو تفاوتها و التطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عليها و لذلك تجد الكثير من الناس يتشوقون إلى الوقوف على ذلك في المنام و الأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك و السوقة معروفة و لقد نجد في المدن صنفاً من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه فينتصبون لهم في الطرقات و الدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه فتغدو عليهم و تروح نسوان المدينة و صبيانها و كثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب و الجاه و المعاش و المعاشرة و العداوة و أمثال ذلك ما بين خط في الرمل و يسمونه المنجم و طرفي بالحصى و الحبوب و يسمونه الحاسب و نظر في المرايا و المياه و يسمونه ضارب المندل و هو من المنكرات الفاشية في الأمصار لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك و إن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ولاية. و أكثر ما يعتني بذلك و يتطلع إليه الأمراء و الملوك في آماد دولتهم و لذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه و كل أمة من الأمم يوجد لهم كلام من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها و ما يحدث لهم من الحرب و الملاحم و مدة بقاء الدولة و عدد الملوك فيها و التعرض لأسمائهم و يسمى مثل ذلك الحدثان و كان في العرب الكهان و العرافون يرجعون إليهم في ذلك و قد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك و الدولة كما وقع لشق و سطيح في تأويل رؤيا ربيعة بن نصر من ملوك اليمن أخبرهم بملك الحبشة بلادهم ثم رجوعها إليهم ثم ظهر الملك و الدولة للعرب من بعد ذلك و كذا تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حيث بعث إليه كسرى بها مع عند المسيح و أخبرهم بظهور دولة العرب. و كذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يفرن و يقال من غمرة له كلمات حدثانية على طريقة الشر برطانتهم و فيها حدثان كثير و معظمة فيما يكون.
PreviousPage 38 of 154
Next