The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

فهذا و جهه لا غير. و قد رأينا عكس ذلك في بلاد وضعت و لم يراع فيها طيب الهواء و كانت أولاً قليلة الساكن فكانت أمراضها كثيرة فلما كثر سكانها انتقل حالها عن ذلك و هذا مثل دار الملك بفاس لهذا العهد المسمى بالبلد الجديد و كثير من ذلك في العالم فتفهمه تجد ما قلته لك. و أما جلب المنافع و المرافق للبلد فيراعى فيه أمور منها الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائها عيون عذبة ثرة فإن وجود الماء قريباً من البلد يسهل على الساكني حاجة الماء و هي ضرورية فيكون لهم في وجوده مرفقة عظيمة عامة. و مما يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي لسائمتهم إذ صاحب كل قرار لا بد له من دوجن الحيوان للنتاج و الضرع و الركوب و لا بد لها من المرعى فإذا كان قريباً طيباً كان ذلك أرفق بحالهم لما يعانون من المشقة في بعده و مما راعى أيضاً المزارع فإن الزروع هي الأقوات. فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك أسهل في اتخاذه و أقرب في تحصيله و من ذلك الشجر للحطب و البناء فإن الحطب مما تعم البلوى في اتخاذه لوقوب النيران للاصطلاء و الطبخ. و الخشب أيضاً ضروري لسقفهم و كثير مما يستعمل فيه الخشب من ضرورياتهم و قد يراعى أيضاً قربها من البحر لتسهيل الحاجات القاصية من البلاد النائية إلا أن ذلك ليس بمثابة الأول و هذه كلها متفاوتة بتفاوت الحاجات و ما تدعو إليه ضرورة الساكن. و قد يكون الواضع غافلاً عن حسن الاختيار الطبيعي أو إنما يراعي ما هو أهم على نفسه و قومه، و لا يذكر حاجة غيرهم كما فعله العرب لأول الإسلام في المدن التي اختطوها بالعراق و أفريقية فإنهم لم يراعوا فيها إلا الأهم عندهم من مراعي الإبل و ما يصلح لها من الشجر و الماء الملح و لم يراعوا الماء و لا المزارع و لا الحطب و لا مراعي السائمة من ذوات الظلف و لا غير ذلك كالقيروان و الكوفة و البصرة و أمثالها و لهذا كانت أقرب إلى الخراب ما لم تراع فيها الأمور الطبيعية.
PreviousPage 61 of 154
Next