و المدن التي لم يراع فيها طيب الهواء كثيرة الأمراض في الغالب. و قد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس من بلاد الجريد بأفريقية فلا يكاد ساكنها أو طارقها يخلص من حمى العفن بوجه. و لقد يقال أن ذلك حادث فيها و لم تكن كذلك من قبل و نقل البكري في سبب حدوثه أنه وقع فيها حفر ظهر فيه أناء من نحاس مختوم بالرصاص. فلما فض ختامه صعد منه دخان إلى الجو و انقطع. و كان ذلك مبدأ أمراض الحميات فيه و أراد بذلك أن الإناء كان مشتملاً على بعض أعمال الطلمسات لوبائه و أنه ذهب سره بذهابه فرجع إليها العغن و الوباء و هذه الحكاية من مذاهب العامة و مباحثهم الركيكة و البكري لم يكن من نباهة العلم و استنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبين خرفه فنقله كما سمعه. و الذي يكشف لك الحق في ذلك أن هذه الأهوية العفنة أكثر ما يهيئها لتعفين الأجسام و أمراض الحميات ركودها. فإذا تخللتها الريح و تفشت و ذهبت بها يميناً و شمالاً خف شأن العفن و المرض البادي منها للحيوانات. و البلد إذا كان كثير الساكن و كثرت حركات أهله فيتموج الهواء ضرورة و تحدث الريح المتخللة للهواء الراكد و يكون ذلك معيناً له على الحركة و التموج و إذا خف الساكن لم يجد الهواء معيناً على حركته و تموجه و بقي ساكناً راكداً و عظم عفنه و كثر ضرره. و بلد قابس هذه كانت عندما كانت أفريقية مستجدة العمران كثيرة الساكن تموج بأهلها موجاً فكان ذلك معيناً على تموج الهواء و اضطرابه و تخفيف الأذى منه فلم يكن فيها كثير عفن و لا مرض، وعندما خف ساكنها ركد هواؤها المتعفن بفساد مياهها فكثر العفن و المرض.