و تشريف الله لهذا البيت و عنايته به أكثر من أن يحاط به و كفى بذلك أن جعله مهبطاً للوحي و الملائكة و مكاناً للعبادة و فرض شرائع الحج و مناسكه و أوجب لحرمه من سائر نواحيه من حقوق التعظيم و الحق ما لم يوجبه لغير فمنع كل من خالف دين الإسلام من دخول ذلك الحرم و أوجب على دخله أن يتجرد من المحيط إلا أزاراً يستره و حمى العائذ به و الراتع في مسارحه من مواقع الآفات فلا يرام فيه خائف و لا يصاد له وحش و لا يحتطب له شجر. و حد الحرم الذي يختص بهذه الحرمة من طريق المدينة ثلاثة أميال إلى التنعيم و من طريق العراق سبعة أميال إلى الثنية من جبل المنقطع و من طريق الطائف سبعة أميال إلى بطن نمرة و من طريق جدة سبعه أميال إلى منقطع العشائر. هذا شأن مكة و خبرها و تسمى أم القرى و تسمى الكعبة لعلوها من اسم الكعب. و يقال لها أيضاً بكة قال الأصمعي، لأن الناس يبك بعضهم بعضاً إليها أي يدفع و قال مجاهد باء بكة أبدلوها ميماً كما قالوا لازب و لازم لقرب المخرجين. و قال النخعي بالباء و بالميم البلد و قال الزهري بالباء للمسجد كله و بالميم للحرم و قد كانت الأمم منذ عهد الجاهلية تعظمه و الملوك تبعث إليه بالأموال و الذخائر مثل كسرى و غيره و قصة الأسياف و غزالي الذهب اللذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم معروفة و قد وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم حين افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة مرتين بمائتي قنطار، وزناً و قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك. فلم يفعل ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه. هكذا قال الأزرقي. و في البخاري يسنده إلى أبي وائل قال: