ثم أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالهجرة إليها لما سبق من عناية الله بها فهاجر إليها و معه أبو بكر و تبعه أصحابه و نزل بها و بنى مسجده و بيوته في الموضع الذي كان الله قد أعده لذلك و شرفه في سابق أزله و أواه أبناء قيلة و نصروه فلذلك سموا الأنصار و تمت كلمة الإسلام من المدينة حتى علت على الكلمات و غلب على قومه و فتح مكة و ملكها و ظن الأنصار أنه يتحول عنهم إلى بلده فأهمهم ذلك فخاطبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخبرهم انه غير متحول حتى إذا قبض صلى الله عليه و سلم كان ملحده الشريف بها و جاء في فضلها من الأحاديث الصحيحة مالا خفاء به و وقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على مكة و به قال مالك رحمه الله لما ثبت عنده في ذلك من النص الصريح عن رفيع بن مخدج أن النبي صلى الله عليه و سلم قال المدينة خير من مكة نقل ذلك أبو الوهاب في المعونة إلى أحاديث أخرى تدل بظاهرها على ذلك و خالف أبو حنيفة و الشافعي.
و أصبحت على كل حال ثانية المسجد الحرام و جنح إليها الأمم بأفئدتهم من كل أوب فانظر كيف تدرجت الفضيلة في هذه المساجد المعظمة لما سبق من عناية الله لها و تفهم سر الله في الكون و تدريجه على ترتيب محكم في أمور الدين و الدنيا. و أما غير هذه المساجد الثلاثة فلا نعلمه في الأرض إلا ما يقال من شأن مسجد آدم عليه السلام بسرنديب من جزائر الهند لكنه لم يثبت فيه شيء يعول عليه و قد كانت للأمم في القديم مساجد يعظمونها على جهة الديانة بزعمهم منها بيوت النار للفرس و هياكل يونان و بيوت العرب بالحجاز التي أمر النبي صلى الله عليه و سلم بهدمها في غزواته و قد ذكر المسعودي منها بيوتاً لسنا من ذكرها في شيء إذ هي غير مشروعة و لا هي على طريق ديني و لا يلتفت إليها و لا إلى الخبر عنها و يكفي في ذلك ما وقع في التواريخ فمن أراد معرفة الأخبار فعليه بها و الله يهدي من يشاء سبحانه.