ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها وكانت في ملكة العبيديين خلفاء القاهر من الشيعة و اختل أمرهم زحف الفرنجة إلى بيت المقدس فملكوه و ملكوا معه عامة ثغور الشام و بنوا على الصخرة المقدسة منه كنيسة كانوا يعظمونها و يفتخرون ببنائها حتى إذا استقل صلاح الدين بن أيوب الكردي بملك مصر و الشام و محا أثر العبيديين و بدعهم زحف إلى الشام و جاهد من كان به من الفرنجة حتى غلبهم على بيت المقدس و على ما كانوا ملكوه من ثغور الشام و ذلك لنحو ثمانين و خمسمائة من الهجرة و هدم تلك الكنيسة و أظهر الصخرة و بني المسجد على النحو الذي هو عليه اليوم لهذا العهد.
و لا يعرض لك الإشكال المعروف في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن أول بيت وضع فقال: بين مكة و بين بناء بيت المقدس قيل فكم بينهما ؟
قال أربعون سنة فإن المدة بين بناء مكة و بين بناء بيت المقدس بمقدار ما بين إبراهيم و سليمان لأن سليمان بانيه و هو ينيف على الألف بكثير.
و أعلم أن المراد بالوضع في الحديث ليس البناء و إنما المراد أول بيت عين للعبادة و لا يبعد أن يكون بيت المقدس عين للعبادة قبل بناء سليمان بمثل هذه المدة و قد نقل أن الصابئه بنوا على الصخرة هيكل الزهرة فلعل ذلك أنها كانت مكاناً للعبادة كما كانت الجاهلية تضع الأصنام و التماثيل حوالي الكعبة و في جوفها و الصابئة الذين بنوا هيكل الزهرة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام فلا تبعد مدة الأربعين سنة بين وضع مكة للعبادة و وضع بيت المقدس و إن لم يكن هناك بناء كما هو المعروف و أن أول من بنى بيت المقدس سليمان عليه السلام فتفهمه ففيه حل هذا الإشكال.
و أما المدينة و هي المسماة بيثرب فهي من بناء يثرب بن مهلائيل من العمالقة و ملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه من أرض الحجاز ثم جاورهم بنو قيلة من غسان و غلبوهم عليها و على حصونها.