The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و اعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الأرض. و بإقامة العدل في القضاء و العمل تصلح أحوال الرعية و تأمن السبل و ينتصف المظلوم و تأخذ الناس حقوقهم و تحسن المعيشة و يؤدى حق الطاعة و يرزق الله العافية و السلامة و يقيم الدين و يجري السنن و الشرائع في مجاريها. و اشتد في أمر الله عز و جل و تورع عن النطف و امض لإقامة الحدود. و أقل العجلة و ابعد عن الضجر و القلق و اقنع بالقسم و انتفع بتجربتك و انتبه في صمتك و اسدد في منطقك و أنصف الخصم و قف عند الشبهة و أبلغ في الحجة و لا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة و لا مجاملة و لا لومة لائم و تثبت و تأن و راقب و انظر و تنكر و تدبر و اعتبر و تواضع لربك و ارفق بجميع الرعية و سلط الحق على نفسك و لا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله عز و جل بمكان عظيم انتهاكاً لها بغير حقها. و انظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية و جعله الله للإسلام عزاً و رفعةً و لأهله توسعة و منعة و لعدوه و عدوهم كبتاً و غيظاً و لأهل الكفرمن معاديهم ذلاً و صغاراً فوزعه بين أصحابه بالحق و العدل و التسوية و العموم و لا تدفعن شيئاً منه عن شريف لشرفه و لا عن غني لغناه و لا عن كاتب لك و لا عن أحد من خاصتك و لا حاشيتك و لا تأخذن منه فوق الاحتمال له. و لا تكلف أمراً فيه شطط. و احمل الناس كلهم على أمر الحق فإن ذلك أجمع لأنفسهم و ألزم لرضاء العامة. و اعلم أنك جعلت بولايتك خازناً و حافظاً و راعياً و إنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم و قيمهم. فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم و نفذه في قوام أمرهم و صلاحهم و تقويم أودهم. و استعمل عليهم أولي الرأي و التدبير و التجربة و الخبرة بالعلم و العمل بالسياسة و العفاف.
PreviousPage 8 of 154
Next